الأربعاء 25 جمادى الأولى 1438 الموافق 22 فبراير 2017

 بين تقدم الدستور وتخلف القوانين الانتخابية

05.12.2016 14h31 - أخر تحديث 05.12.2016 14h31

عبد العلي حامي الدين

من التعديلات المهمة التي أدخلت على الدستور المغربي الذي تم إقراره سنة 2011، المكانة التي أصبحت تحتلها الانتخابات كمصدر لبناء شرعية المؤسسات..

ينص الدستور المغربي في الفصل 11 على أن «الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي»، وقبل ذلك نص الفصل الثاني على أن «السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم».

كما أن الفصل 47 كان واضحا في ربط تشكيل مؤسسة الحكومة بنتائج الانتخابات بحيث «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها».

إذن من الواجب القول بأن الدستور المغربي كان واضحا في ربط موقع رئاسة الحكومة بأصوات المواطنين، ولا يمكن أن نبحث عن حلول سهلة بالالتفاف على هذه القاعدة المركزية في النظام الدستوري، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الدعوة بصراحة إلى الانقلاب على نتائج الانتخابات من خلال إقحام بعض التأويلات المتعسفة لبعض بنود الدستور» في تجاهل مقصود للعديد من عناصر التقدم الواضحة في المتن الدستوري.
لكن، ينبغي أن نلاحظ بأن التقدم الحاصل في مكانة الانتخابات من الناحية الدستورية، لم يواكبه نفس التقدم على مستوى الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، وهو مسؤول بشكل أو بآخر عن عدم فرز أغلبية برلمانية واضحة.

إن النظام الانتخابي الحالي هو نظام مليء بالاختلالات، فهو نظام لا يحقق التوزيع العادل للمقاعد بناء على عدد الأصوات المحصل عليها من طرف الأحزاب السياسية، ولا يسمح بفرز الأحزاب الكبرى ويكرس البلقنة الحزبية، ويساهم بالتالي في تعقيد عملية تشكيل أغلبية برلمانية واضحة. ولذلك فقد آن الأوان لتعديل هذا النظام على أساس الرفع من عتبة التمثيل ومراجعة التقطيع الانتخابي في اتجاه خلق التناسب بين عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة وعدد الهيئة الناخبة. فلا يعقل أن يصل الفرق في التمثيل إلى أكثر من 100 في ٪ بين الدوائر‏، فهناك مثلا مدن من دائرتين تتشكل من 500 ألف ناخب تتمثل بـ7 نواب وهناك مدن أخرى من دائرتين تتكون من أكثر من مليون ناخب وتمثل بـ7 نواب أيضا!! كما أن التسجيل في اللوائح الانتخابية ينبغي أن يتم بطريقة أوتوماتيكية بالنسبة للبالغين سن التصويت، وتبقى عملية الإشراف على الانتخابات وتدبير مكاتب التصويت من الإشكاليات التقنية والسياسية المعقدة التي تحتاج إلى الكثير من الإصلاحات…

إن مسلسل تشكيل الحكومة في ظل نظام انتخابي يكرس البلقنة ولا يسمح بترجمة الأصوات إلى مقاعد بالعدالة اللازمة، وفي ظل منظومة حزبية تمتح من ثقافة ما قبل دستور 2011، سيتطلب زمنا سياسيا معينا، قد يطول وقد يقصر حسب نجاح الأطراف المعنية في بناء التوافقات المطلوبة وتجاوز هذه الصعوبات، وهي صعوبات سياسية بطبيعتها، والمخرج منها لا يمكن أن يكون إلا سياسيا. ربما يراهن البعض على مرور الوقت قصد نسيان يوم 7 أكتوبر تاريخ تنظيم انتخاب أعضاء مجلس النواب، الذي بوّأ حزب العدالة والتنمية الرتبة الأولى ب125 مقعدا برلمانيا، بعد حملة إعلامية وسياسية استخدمت فيها جميع أنواع القذف والكذب والتضليل والمس بالحياة الشخصية، وتوجت بتورط بعض أعوان السلطة والإدارة للدعاية للحزب المعلوم خلال الحملة الانتخابية وخلال يوم الاقتراع، مرورا بتنظيم مسيرة الدار البيضاء المجهولة الأب والأم تحت شعارات غريبة عن البيئة المغربية وعن تقاليد النضال الديموقراطي.

يوم 7 أكتوبر غير قابل للنسيان، لأنه اليوم الذي عبر فيه الناخبون عن إرادتهم الحرة في دعم خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، وانتفضوا ضد إرادة التضليل والتدجين..

يوم 7 أكتوبر عبر الناخبون المغاربة بشكل واضح عن رفضهم لمشروع التحكم الرامي إلى إغلاق قوس الإصلاح الديمقراطي الذي فتح تحت هتافات الشارع المغربي يوم 20 فبراير 2011، بعدما اعتقد البعض أن صفحة حكومة بنكيران يمكن إغلاقها بسهولة بعدما هدأ الشارع المغربي، وبعد نجاح مجموعة من الإصلاحات «القاسية» التي بإمكان مواصلتها استرجاع عافية الاقتصاد الوطني دونما حاجة إلى حزب شعبي مستقل في قراراته، وله القدرة على تحصيل مقاعد برلمانية اعتمادا على أصوات انتخابية نظيفة دون تدخل من سلطة المال أو دعم من سلطة الإدارة.

اقتراع 7 أكتوبر غير قابل للنسيان لأنه يحمل الكثير من الدلالات الغنية التي قرأتها الأحزاب الوطنية قراءة صحيحة واختارت دعم مسيرة الخيار الديمقراطي، وأصرت على احترام الإرادة الشعبية فيما سيتمخض عن هذه الانتخابات من مؤسسات وخاصة مؤسسة الحكومة..

اقتراح السابع من أكتوبر غير قابل للنسيان لأن نتائجه هي المرجع الشرعي والدستوري الوحيد لتعيين رئيس الحكومة من قبل جلالة الملك، ولأن نتائجه هي أيضا الأساس المرجعي لتشكيل الحكومة وإعداد برنامجها واختيار رجالاتها ونسائها.. فإذا سلمنا بأن هناك صعوبات حقيقية تواجه تشكيل حكومة بنكيران الثانية، فيمكن القول بأن السبب المباشر وراء تعثر تشكيلها إلى حدود الساعة هو الاعتراض الذي وضعه الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار في وجه حزب الاستقلال.. وهو اعتراض غير مفهوم وليست وراءه مبررات مقنعة، ولا يمكن حله خارج الإرادة المعبر عنها يوم السابع من أكتوبر.. نعم، إن بناء الديمقراطية لا يختزل تعريفها في معادلة «النصف زائد واحد»، بل إن إرادة البناء الديمقراطي تتطلب أيضا الإيمان بضرورة بناء توافقات شجاعة وصعبة، لكنها مفهومة من طرف الرأي العام..كما أن الديمقراطية ليست هي بالتأكيد امتهان الأصوات المعبر عنها من طرف المواطنين، وتبخر رسالتهم في الهواء الطلق..

بين بناء التوافقات الصعبة والاحترام الكامل لإرادة المواطنين، يتمتع النبوغ المغربي بالمرونة الكافية لإدارة تناقضات المرحلة، وهو ما يستدعي من الأحزاب السياسية التحلي بدرجات عالية من النضج اللازم قصد إضافة لبنة حقيقية وصلبة في المسار الطويل والشاق لبناء ديمقراطية حقيقية في المغرب..

والأهم، قراءة نتائج اقتراع 7 أكتوبر قراءة ديمقراطية صحيحة، وعدم الرهان على نسيان رسالته.

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
ابن-كيران1

كلام ابن كيران في المجلس الوطني -قراءة أولية-

ألقى الأخ رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران […]

حسن بويخف

محاربة الإرهاب تقتضي الاستباق الأمني والفكري معا

وحده من لم ينس فاجعة 16 ماي الإرهابية […]

الخميسات

مدينة الخميسات والتنمية المفقودة

شهد المغرب خلال بدايةالألفية الثالثة وثيرة متسارعة في […]

Capture

أحمد نور الدين يكتب..الجزائر تُسمّم العلاقات المغربية الإسبانية!

قُبيل بِضعةِ أسابيع من زيارةٍ مرتقبة للعاهل الإسباني […]

jeberimohamed

من أخطاء التفسير عند محمد عابد الجابري (2)

ليس القصد بهذه السلسلة من المقالات – كما […]

يتيم

حزب العدالة والتنمية فرصة أم تهديد ؟؟

لم تتوقف محاولات الشيطنة والتخويف والسعي لإخراج حزب […]

محليات
sikkin الناظور

الناظور: شاب عشريني يعتدي على عائلة مُخلفا قتلى وجرحى

أفادت السلطات المحلية لإقليم الناظور بأن شابا يبلغ […]

مسرح الجريمة الناظور

مصرع شخصين في اعتداء بالسلاح الأبيض بالناظور

أفادت السلطات المحلية لإقليم الناظور بأن شخصا يبلغ […]

1ef8520aa4753795f8e6a28a6315ff38_XL تمارة

توقيف سيدة متلبسة بحيازة 3600 قرصا مهلوسا بتمارة

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمدينة تمارة بناء على […]

إقرأ أيضا

إعلانات إدارية

5 ديسمبر,2016
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: