الاثنين 4 شعبان 1438 الموافق 01 مايو 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

هل تحرق نيران عنف الملاعب بهجة “الألتراس” ؟

05.04.2016 12h45 - أخر تحديث 05.04.2016 15h13

الشغب

تطرح أحداث العنف والشغب المرتبط بالملاعب المغربية إشكالية مجتمعية كبيرة، بالنظر إلى عدد القتلى والجرحى الذين باتت تخلفهم هذه الحوادث المتنامية في السنوات الأخيرة، والتي شكلت أحداث السبت الأسود بمركب محمد الخامس بالدار البيضاء، في 19 مارس المنصرم، حلقة من حلقاتها التي تبدو أنها لن تكون الأخيرة.

وأمام هذه الظاهرة، التي أصبحت تفرض نفسها بقوة على الدولة والمجتمع، وتسائل السياسة العمومية وجميع المتدخلين في الشأن الرياضي، لتكثيف الجهود والعمل على الحد من الظاهرة التي أصبحت تهدد أمن وسلامة المجتمع المغربي، في الكثير المناسبات.

كما أن نزوع شباب داخل “الألتراس” وفصائل تشجيع الأندية الرياضية بالمغرب نحو ممارسة العنف بين عناصرها، والعمل على تخريب الممتلكات العامة والخاصة، يسائل الجميع حول الأسباب التي دفعت هؤلاء للقيام بهذه السلوكات العدوانية والانتقامية، التي يرى فيها خبراء وباحثو علم الاجتماع مجرد رد فعل على ما يقدمه المجتمع والدولة لهذه الشريحة من رعاية واهتمام.

نناقش موضوع الشغب والعنف بالملاعب، وتبحث في أسباب الظاهرة والتحديات التي تطرحها على الدولة والمجتمع وكيف يمكن تجاوزها واستيعاب وتأطير شباب “الألتراس” .

الإلتراس في قلب “العنف”

مثل شغب الملاعب طيلة السنوات الأخيرة بالملاعب الرياضية المغربية نقطة سوداء عكرت صفو الكرة والأندية الوطنية التي تعاني الكثير من الإشكالات والصعوبات، حيث أعادت أحداث السبت “الأسود” التي شهدها مركب محمد الخامس بالدار البيضاء في 19 من الشهر المنصرم، ظاهرة العنف والشغب المرتبط بمناسبة التظاهرات الكروية إلى الواجهة من جديد.

وخلفت الأحداث التي تفجرت في المدرجات بين فصيلين مشجعين لفريق الرجاء رغم فوزه على نادي شباب الريف الحسيمي، قتيلين وعشرات الجرحى، في حادث لم تعهده الكرة المغربية، وطرح مجموعة من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا النزوع المفرط نحو استخدام القوة والعنف في حق مشجعين وجمهور واحد يجمعه عشق كرة القدم وتفرقه الفصائل المشجعة “الإلتراس”.

العنف في الملاعب

مباشرة بعد الأحداث الدامية الأخيرة، وجهت أصابع الاتهام إلى الإلتراس بالوقوف وراء الاشتباكات التي خلفت هذا العدد من الضحايا، وحركت المتابعة القضائية في حق عدد من العناصر التي تتزعمها والمتورطين في أحداث العنف وتخريب مدرجات الملعب.

ورغم أن هذه الفصائل لها دور أساسي في إنجاح المحطات الرياضية الكبرى وساهمت في إضفاء الفرجة والمتعة على الملاعب الوطنية عبر ترديد الأهازيج ورسم التيفوهات واللوحات الفنية التي تزين بها المدرجات، إلا أنه بين الفينة والأخرى حصلت مواجهات وأحداث عنف بين أعضائها والذي يعصف بكل ما راكمته من نجاحات.

ويرى عبد الخالق بدري، الباحث في مركز القيم التابع للرابطة المحمدية للعلماء، أن الساحة الرياضية المغربية تعرف ارتفاعا متزايدا في منسوب العنف على مختلف الأصعدة، انطلاقا من المشاهد العنيفة التي وثقت بالفيديو لانتخاب رئيس الجامعة الملكية لكلية القدم، مرورا بالأحداث التي تتعرض لها الفرق، خصوصا بعد الهجوم المسلح الذي تعرض له مركز التدريب لفريق الوداد ووصولا إلى مشاهد العنف داخل الملعب أو خارجه لمشجعي الفرق والأندية الرياضية.

وقال بدري إن الظاهرة ترتبط أحيانا بمسلسل الإخفاقات التي تعيشها بعض الأندية سواء في تحقيق النتائج المرضية لجماهيرها أو في التسيير والتدبير.
ووصف الباحث في مركز القيم، سلوك الجماهير الرياضية التي تمارس العنف بالنزوع إلى سلوكات “أكثر تمردا على كل شيء”، مبرزا أن الوقوف عند الشعار الذي رفعه جمهور أحد الأندية المؤيد لـ”داعش”، وبعد تحليله يتضح أن هذا لا يعني بالضرورة تأييد هؤلاء لـ”داعش” وأفكارها، وإنما يبين أن الحالة النفسية للمشجعين دائما تذهب إلى الشعارات “الأكثر تطرفا والأكثر تمردا”، وهذا يتمثل على مستوى الشعارات أو العنف والتخريب الذي يطال السيارات والمحلات التجارية والمدرجات بعد المباريات.

المنع ليس حلا

ولمواجهة الظاهرة اتخذت السلطات والجهات المسؤولة مجموعة من الإجراءات والقرارات للحد من خطورتها، وإصدار جملة من العقوبات الصارمة في حق الأندية التي يقدم مشجعوها على ارتكاب المخالفات وخرق القوانين الجاري بها العمل.

فبعد أحداث السبت “الأسود” قررت الجامعة حرمان فريق الرجاء من اللعب لخمس مباريات بدون جمهور، بالإضافة إلى قرار حل ومنع فصائل الإلتراس من دخول الملاعب، ومتابعة عدد من مسؤوليها والتحقيق معهم على خلفية الأحداث الأخيرة.

وكان رئيس الحكومة، عبد الإله ابن كيران، قد علق على الأحداث في المجلس الحكومي الذي تلاها، بالقول “إن الدولة مصرة على إيقاف هذا المد الإجرامي”، مؤكدا أن إيقاف كرة القدم أهون من أن تزهق أرواح الأبرياء.

وأضاف رئيس الحكومة، أمام وزراء حكومته، أن الأحداث التي شهدها مدرجات محمد الخامس أساءت لصورة المغرب في العالم وسمعة رياضته، داعيا القائمين على اللعبة إلى مراجعة طريقة تدبيرهم للشأن الرياضي والعمل على إيقاف الظاهرة.

وسجل الباحث عبد الخالق بدري، أن مسؤولية إنهاء ظاهرة العنف تتحملها بالدرجة الأولى فصائل “الإلتراس”، مشيرا إلى أن المطلوب في هذه اللحظة هو “تأهيل مؤطري جمعيات الإلتراس”، من خلال برامج تكوينية متكاملة يحضر فيها البعد التربوي والروحي والثقافي.

“الألتراس” متهم إلى أن تثبت براءته

عقب كل أحداث الشغب التي تحصل بمناسبة التظاهرات الكروية المرتبطة بالبطولة الوطنية، تتجدد الأسئلة حول الأطراف الضالعة في تأجيج العنف والفوضى سواء داخل الملعب أو تلك التي تندلع خارجه عقب نهاية المباريات وتمتد إلى الفضاء العام، وخلال كل مناسبة مأساوية كالتي عرفها ملعب محمد الخامس هذا الموسم الكروي في مناسبتين، الأولى شهر دجنبر الماضي في مقابلة الديربي 119 بين الغريمين الرجاء والوداد، والثانية في 20 مارس المنصرم بعد نهابة مباراة الرجاء البيضاوي وشباب الريف الحسيمي، تجد فصائل “الألتراس” نفسها في قفص الاتهام بسبب ما يلصق بها من عوامل يراها البعض تساعد على تهييج المتفرجين لمستوى يفقد الفرد القدرة على السيطرة في سلوكاتهم وتحركاتهم.

بالنسبة للسلطات الأمنية فإن مجموعات “الألتراس” تبقى المتهم الأول في إشعال فتيل أعمال الشغب إلى أن تثبت براءتها، فحسب مصدر أمني مسؤول بولاية أمن الدار البيضاء، فإن الإجراء الأخير الذي اتخذته الولاية في حق مجموعات المشجعين ومنع أنشطتهم على مستوى جهة الدار البيضاء، يحمل المسؤولية لهذه الفصائل في كثير من حوادث العنف التي عرفها مركب محمد الخامس.

وأوضح نفس المصدر  أن الإجراء الأخير الذي سيشمل كل المجموعات النشيطة على مستوى النفوذ الترابي لولاية أمن البيضاء، يهدف إلى إعادة الأمان إلى ملاعب كرة القدم، معتبرا أن هذه المجموعات تشتغل بأشكال مخالفة للقوانين الجاري بها العمل فيما يتعلق بالتجمهر والتجمعات العامة، وبالتالي فإنها طريقة تحركاتها تثير القلاقل فيما بين جماهير الفرق الرياضية.

وأضاف المسؤول الأمني المكلف بالخلية الرياضية أنه سبق للسلطات الأمنية أن حضرت اجتماعات صلح بين ممثلين عن فصائل جمهور فريق الرجاء البيضاوي من أجل تذويب الخلافات بينهما وعقد اتفاق صلح بين الأطراف المتصارعة، غير انه سرعان ما تعود الأجواء إلى التوتر والاحتقان وتطفو على سطح العلاقة بينهما الخلافات التي تتطور إلى مواجهات تأخذ في بعض الأحيان أشكالا دموية.

غير أن سعيد توفيق ابن حي درب السلطان بالدار البيضاء من ألتراس “إيغلز” يرفض وصف مشجعي الألتراس بأنهم “أصحاب الفوضى”، وأضاف أن مجموعات الألترا تنبذ العنف داخل وخارج الملاعب، لكنه يعتبر أن بعض السلوكات التي يقوم بها محسوبون عليهم لا تتم عن سبق إصرار وترصد وإنما تصدر بشكل عفوي بعد تعرضهم للاستفزاز من طرف جمهور الخصم أو رجال الشرطة، وتابع قائلا، “الألترا في المغرب عرفت طفرة نوعية وأبانت في أكثر من مناسبة عن وعي ونضج سياسي والتزام اجتماعي مع مختلف القضايا الوطنية والعربية سبق وأن عبرت عنها الجماهير في أغاني وعروض فنية فرجوية داخل داخل الملاعب، مؤكدا على أن نسبة كبيرة من الشباب المنتمي لهذه المجموعات تتملكه طموحات لبلوغ لتحقيق أحلامهم لكنهم لا يحظون بالاهتمام الكافي من الدولة والمجتمع.

خلود السباعي أستاذة علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني المحمدية : غياب فضاءات تفريغ الطاقته السلبية يدفع المراهق إلى العنف

ذهبت الأستاذة الباحثة في علم الاجتماع، خلود السباعي، في قراءتها لظاهرة العنف والشغب في الملاعب الرياضية، التي تقف وراءها مجموعات المشجعين، إلى أن أسباب انتماء الشباب والأطفال إلى “الألتراس” ترجع بالأساس إلى قلة الاهتمام بأوقات الفراغ لدى هذه الشريحة من المجتمع، وندرة البنيات التحتية الرياضية وفضاءات الترفيه في الأحياء الشعبية بمعظم المدن المغربية.

وسجلت السباعي، أن غياب الفضاءات الرياضية التي تتيح للشباب فرص التأطير والتنشيط والتكوين حسب ميولاتهم وهواياتهم، بالإضافة إلى أن المدرسة أصبحت “طاردة للشباب بما أدى إلى ارتفاع نسبة الهدر المدرسي”، مبرزة أن العنف المدرسي يؤشر على أن المدرسة لم تحتضن التلاميذ نظرا لأن بداغوجية التعليم تقليدية وقديمة تنفر من المعرفة ولا تحفز على الإقبال على الدراسة.

وأضافت أستاذة علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، أن غياب برامج عمومية في الأحياء السكنية خاصة بالأطفال والشباب لتفريغ الطاقات الزائدة، موضحة أنه عندما لا يجد الشاب المراهق أين يصرف الطاقة السلبية يلجأ لممارسة العنف.

وأكدت الباحثة، أن الجماعات التي تنتظم في وحدة “الألتراس”، تتشبع بالولاء المطلق لهذه الوحدة الاجتماعية، مبرزة أن هذا الولاء يعبر عن “الحاجة النفسية للأشخاص في فترة المراهقة إلى الولاء للرفاق”، وزادت أن هذا الولاء التنظيمي “عندما يكون غير مؤطر ولا يخضع لقواعد تربوية، فإنه ينفجر على شكل نزوعات متعصبة” وفق تعبيرها.

ومضت السباعي تجعن ظاهرة العنف وشغب الملاعب، مؤكدة أن سيكولوجية الحشود تحضر بشكل جلي في هذه الظاهرة، لأن “فترة المراهقة يميل خلالها المراهق إلى الرفاق لكي يذوب في الجماعة التي ينتمي إليها، فسيكولوجية الجماعة تتميز بالإنفعال وتكمن خطورتها في ارتفاع منسوب العدوانية”.

وأشارت الباحثة، إلى أنه حينما ينتمي الفرد للجماعة “المنفعلة” يخضع بشكل مطلق للانفعالات الجماعية التي اعتبرتها بمثابة “قنبلة” يصعب التنبؤ بموعد انفجارها”، كما يصعب التكهن بحجم النتائج السلبية التي يمكن أن تترتب عن أشكال العنف المتحملة في أقصى مستوياتها، تورد المتحدثة.

كما أوضحت، أن جماهير كرة القدم في الملاعب المغربية تشكل فئة الشبان المراهقين والشباب الشريحة الأكبر منها، وهذا ما يضاعف خطورة الحالات الانفعالية، حسب السباعي، التي أوردت بأن الشخص في هذه الفترة العمرية “لا يدرك عواقب الأفعال التي يقوم بها، كما أن قدراته العقلية تبقى محدودة وغير ناضجة وغير كافية لاحتساب نتائج التصرفات والسلوكات المختلفة”.

لكن مع ذلك، تعتقد الباحثة والأكاديمية أن الولاء لـ”الألتراس” يحتاج إليه المراهق ليحقق الشعور بالإنتماء، مشيرة أن الجانب السلبي في العملية يكمن في “الكيفية التي يتم بها التعبير عن الولاء المكتسب”، كما عبرت عن رفضها لتحميل المسؤولية للأطفال اليافعين والشبان المراهقين وإنما “المسؤولون عنهم من الآباء والأطر التربوية والسياسة العمومية بصفة عامة”، والذين حملتهم مسؤولية عدم تلقين هذه الشريحة “كيف تحقق الولاء لجماعة الانتماء دون تعصب وعدوانية للطرف الآخر”.

 

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وسوم:

أخبار في نفس القسم
حسن الموس (8)

الحسين الموس : ظاهرة الغش متأصلة تستوجب مقاربة أخلاقية ودينية عميقة

اعتبر الحسين الموس ، الأستاذ المبرز في مادة […]

التزام الباك

ظاهرة الغش بين سندان الإجراءات الوزارية ومطرقة الواقع المرير

مع حلول موعد امتحانات البكالوريا تتكاثف جهود التلاميذ […]

بلمختار1

هل تعيد إجراءات بلمختار هيبة البكالوريا المغربية؟

حل موعد اجتياز السنة الثانية بكالوريا ، بما […]

938

مفردات تميز تجربة “التوحيد والإصلاح”

أشهر قليلة تفصل حركة التوحيد والإصلاح عن استيفائها […]

الأساتذة المتدربين

مبادرة مدنية تدخل على الخط في قضية الأساتذة المتدربين

بعد مضي ثلاثة أشهر عن مقاطعة الأساتذة المتدربين […]

IMG_0745

الأساتذة المتدربون.. مسار “أزمة” والحل الحكومي

أغلب المتتبعين لملف الأساتذة المتدربين من بدايته إلى […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: