الثلاثاء 27 ذو الحجة 1438 الموافق 19 سبتمبر 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

من أجل تحكيم العقل وتجاوز الارتباك

28.09.2016 11h54 - أخر تحديث 28.09.2016 11h56

عبد العلي حامي الدين

ونحن على بعد أقل من ثلاثة أسابيع من انتخابات أعضاء مجلس النواب، يمكن أن نلاحظ أن العديد من الأحداث التي تعبر عن ارتباك واضح داخل مراكز مقاومة الإصلاح في المغرب، مما يدعونا إلى إعادة قراءة المعطيات السياسية التي أفرزت النتائج التي نعيشها اليوم.
منذ مرحلة الحراك الشبابي وفي أعقاب نتائج انتخابات 25 نوفمبر وتشكيل الحكومة الجديدة بقيادة العدالة والتنمية، قلنا بأن التحولات السياسية الجارية في المغرب مفتوحة على فرضيتين اثنتين، مفتوحة على فرضية المناورة السياسية، أي أن ما جرى من تحولات هو مجرد محاولة لامتصاص غضب الشارع يراد لها أن تنتهي بالالتفاف على مطالبه الأساسية، أما الفرضية الثانية فهي «فرضية الانتقال الديمقراطي» وتتأسس على أن المغرب يمر بالفعل بمرحلة انتقال ديمقراطي حقيقي ستؤدي في النهاية إلى إقرار تحولات ديمقراطية حقيقية تكون لها انعكاسات ملموسة على مسار التنمية في البلاد.

وهي الفرضية التي ندافع عليها باستمرار من خلال إبراز أهم التعديلات التي طرأت على الوثيقة الدستورية وإبراز قدرتها على تأطير زمن الانتقال من «السلطوية الناعمة» إلى ترسيخ قواعد نظام ديمقراطي حقيقي.

علينا أن نذكر من يحتاج إلى تذكير بأن قرار الملك محمد السادس بإجراء إصلاحات دستورية مهمة كانت إشارة واضحة من السلطات العليا في البلاد لتدشين مسار تحول ديمقراطي جديد، وبرهانا على التفاعل السريع مع مطالب الشارع المغربي..

مضامين الإصلاحات التي وعد بها الخطاب الملكي أسست لانتقال ديمقراطي حقيقي، فالحكومة منبثقة عن الإرادة الشعبية، والوزير الأول يعين من الحزب الأول الفائز في الانتخابات وهو رئيس السلطة التنفيذية، والسلطة مقرونة بالمساءلة والمحاسبة، والقضاء سلطة مستقلة.. إننا بالتأكيد أمام تحولات بنيوية مهدت لدستور جديد، مما دفع بالعديد من المراقبين إلى الحديث عن الاستثناء المغربي، وقد ساهم في هذا المسار العرض السياسي الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية ممثلا في خيار الإصلاح في ظل الاستقرار.

خمس سنوات هي مدة كافية لاختبار صوابية هذا الخيار، وطرح العديد من الأسئلة حول مآل التجربة المغربية..

من خلال متابعة قريبة لهذه التجربة يتضح أن معركة الإصلاح ضد الفساد والاستبداد ليست جولة واحدة، بل هي جولات متواصلة، يمكن فيها لقوى الإصلاح أن تتعرض في إحداها لارتدادات معينة، لكن سرعان ما ينبغي أن تمتص ضربات الخصوم وتستمر في مسيرتها الإصلاحية لتحقق الانتصار في النهاية، المهم أن يعبر منحنى الإصلاح عن اتجاه تصاعدي تراكمي مستمر، رغم حصول بعض الحوادث في الطريق، وهو ما يعني أن الإصلاح ليس إرادة فقط ولكنه ـ إلى جانب الإرادة السياسية القوية ـ لا بد أن يتسلح بالإصرار على مواصلة الطريق وتجاوز المنعطفات والانعراجات قبل وصول خط النهاية.

وإذا كان المغرب قد استطاع أن يجتاز بنجاح استحقاقات الربيع الديمقراطي، باعتباره يمثل إحدى التجارب القليلة في المنطقة التي تعيش في ظل الاستقرار، مع ما لهذا الوضع من قيمة كبرى وما ينتج عنه من توفير مناخ إيجابي يمكن من تحقيق إصلاحات هادئة قد تكون بطيئة ولكنها مؤكدة ومستدامة، فإننا نعتقد أن استمرار الدينامية الإصلاحية ولمس آثارها على مستوى المؤسسات والسياسات والقطع النهائي مع بعض أساليب التحكم السياسي والريع الاقتصادي، تستوجب ضخ جرعات متواصلة من الإصرار والصمود من أجل تحقيق هذه الأهداف.
طبعا، من السابق لأوانه إعطاء تقييم دقيق لطبيعة المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب.

أولا: لأننا على بعد خمس سنوات فقط من إرساء هذه التجربة.

ثانيا: من الصعب تقييم الإنجاز ونحن في مرحلة انتقالية، الجميع مطالب بالتكيف معها بالشكل الذي يخدم مصلحة البلاد والعباد، خاصة وأن التحالف الحكومي الحالي اشتغل في سياق سياسي جديد مختلف تماما عن التجارب الحكومية السابقة، محليا وإقليميا.

وأنا أعتقد جازما بأن وظيفة هذه الحكومة لم تكن مرتبطة بتحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية خارقة، وإنما هي امتلاك القدرة على وضع المغرب على سكة الإصلاحات الضرورية في مختلف المجالات، سواء على مستوى التحول الديمقراطي الحقيقي بالعمل الجاد على التنزيل الديمقراطي لمقتضيات الدستور الجديد، أو على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحد من بنية الفساد والإفلات من المحاسبة والمراقبة. علينا أن لا ننسى بأن المغرب لم يعرف ثورة، وموازين القوى لم تتغير فيه إلا بشكل نسبي، وهناك خصام كبير على مستويات متعددة سياسية واجتماعية واقتصادية، والحكومة الحالية واجهت حملات إعلامية ظالمة من جهات لا يهمها نجاح هذه التجربة لأنها كانت مستفيدة من الوضع السابق بعضها ينتمي إلى المعارضة البرلمانية، كما تواجه انتقادات غير موضوعية من جهات سياسية تمارس معارضة غير مؤسساتية وتريد أن تثبت صحة منطقها السياسي عن طريق إفشال هذه التجربة، وهي بذلك سقطت في منطق قريب من العدمية ولم تبذل أي مجهود يذكر في ساحة التدافع السياسي المرتبط بالتأويل الديمقراطي للدستور، كما عانت هذه التجربة من ضربات كثيرة تحت الحزام من داخل منظومة الحكم وصلت إلى درجة محاولة تفجيرها من الداخل، انتهت بخروج حزب الاستقلال من الحكومة لأسباب غير مفهومة إلى حدود الساعة، كما تأثرت بالارتدادات التي عاشتها مجموعة من دول الربيع العربي.

والخلاصة، أن عملية البناء الديمقراطي ليست هدفا يتحقق بأسلوب الطفرة أو الثورة، ولكنه مسار تراكمي تدريجي يخضع لبناء حقيقي، ويتطلب الكثير من الصبر والتروي والأناة.. كما أن توفر إرادة التغيير لا يعني القدرة على التغيير، فهناك دائما مساحة شاسعة بين الإرادة والقدرة، كما أن هناك دائما فرقا بين الرغبة في التغيير والقدرة على التغيير..

إن توفر عناصر الإرادة والرغبة يعتبر شرطا ضروريا في كل المشاريع التغييرية، لكنه ليس شرطا كافيا لتحقيق النجاح في عملية التغيير، ولذلك لابد من توفر شرط الخبرة والعلم وامتلاك القدرة على استيعاب آليات التغيير، وامتلاك القدرة على التكيف مع الظروف الإقليمية والدولية التي لا تكون دائما مساعدة على التحول الديمقراطي الحقيقي.

إن القوى الإصلاحية الديمقراطية مطالبة اليوم بمساندة هذه التجربة وتوفير الدعم المتواصل لها، ليس فقط عبر التصفيق لها عندما تتخذ قرارات إصلاحية نوعية، ولكن أيضا عبر مواصلة النضال الديمقراطي والتصدي لمختلف أشكال الانحراف والشطط في استعمال السلطة، وفضح مظاهر الفساد التي تصدر عن هذا الطرف أو ذاك، وتحصين المجتمع ضد فيروس التحكم وجراثيم الاستبداد، والتنبيه المستمر إلى التجاوزات التي تحصل هنا وهناك.

الديمقراطية لن تترسخ في هذا البلد، إلا عبر بناء تشاركي متدرج، وهو ما يتطلب نفسا طويلا ومتواصلا وإصرارا حقيقيا من أجل تفكيك عقليات الفساد والاستبداد العميقة الموجودة داخل ثقافة الدولة و المجتمع، والعمل على تعميق الصلاح والإصلاح بمعية جميع القوى الحية التي تناضل من أجل مجتمع الكرامة والعدل والحقوق والحريات.

ما يجري هذه الأيام من مناورات بئيسة يكشف بما لايدع مجالا للشك، أن خريطة التناقضات أصبحت واضحة وأن المجتمع وذكاؤه وشجاعته سيقول كلمته في اتجاه بوصلة الإصلاح، وأن «قيامة الانتخابات» قامت بالفعل، لكن داخل معسكر التحكم الذي يعبر اليوم عن ارتباك فظيع..دعواتنا له بالهداية والرشد والتعقل..

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
عبد الإله ابن كيران

لفهم ظاهرة بنكيران

 من السوء التقدير أن يعتقد المتتبع للشأن السياسي […]

unnamed (3)

وقالي الصنهاجي: شي حاجة في باب بوحاجة؟؟

استقبلنا الأخ مصطفى الصنهاجي رحمه الله على سلاليم […]

Capture58-700x415

مناورات مع بنكيران ومشاورات مع العثماني

كانت كل التوقعات تسير في اتجاه تشكيل بنكيران […]

راشد الغنوشي

الغنوشي يكتب: لماذا قبلت النهضة شراكة غير متكافئة؟

حيرة كبيرة بلغت حد الصدمة والنكير من سلوك […]

يتيم يكتب: ابن كيران الزعيم.. ولكن ابن كيران المعلم المستبصر!! 

أكد محمد يتيم، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة […]

حسن بويخف

المفكر والحرب على الإرهاب .. غياب أم تغييب؟

الدعوة التي جدد عبد الحق الخيام توجيهها مؤخرا […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات

إعلانات إدارية

28 سبتمبر,2016
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: