الخميس 24 جمادى الثانية 1438 الموافق 23 مارس 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

قرَاءة في كتَاب “نظرية الوَاجب الأخْلاقية في المُمَارَسَة الإعْلامية” لعبد الرحمن عزي

05.01.2017 11h49 - أخر تحديث 05.01.2017 11h49

image-4

صَدَرَ للبَاحث الإعْلامي والأكاديمي الجزائري عبد الرحمن عزي كتاب جديد بعنوان “نظرية الواجب الأخلاقية في الممارسة الإعلامية”، عبارة عن مقاربة نظرية قيمية لأخلاقيات الإعلام.

يرى مُؤلف هذا الكتاب بأنه لايمكن  الحديث عن أخلاق الإعلام بدون التقعيد لنظرية أخلاقية حضارية، وأي تجاوز لذلك يصفه بالخلل المنهجي، وفي هذا الاتجاه يكاد يجزم الباحثأن “معظم النظريات الأخلاقية الكبرى تستند إلى فكرة الإلزام التي بدونها تنتفي المسؤولية الفردية والاجتماعية”، لتتحول الأخلاق – يقول صاحب الكتاب -إلى مُجرد كلام جميل لا أثر له في المُمَارسة الإعلامية وحياة المجتمع، مثل الحديث عن الموضوعية والإنصاف والدقة والتوازن التي لا يجد القارئ أي  أثر لها في الممارسة الإعلامية.

وحسب صاحب الكتاب، فإن الأدبيات الحديثة الغربية السائدة في المجال تخوض في أخلاقيات الإعلام من مدخل مواثيق الشرف الإعلامية، وتستند  إلى مرجعية أصحاب المهنة باسم المهنية تارة وتارة أخرى  بالتنظير ذي الطبيعة العقلانية.

ويعتبر الباحث الجانب الفلسفي والفكري في مسألة أخلاقيات الإعلام لم يتجاوز بعض نصوص فلاسفة التنوير مثل ما كتبه جون ستيوارت ميل  “عن الحرية ” الذي  تحدث فيه عن المرجعية الفلسفية التي أنجبت ما أصبح يعرف بحرية التعبير وحرية الصحافة، أو بعض الوثائق الحديثة نسبيا والأقل وزنا مثل المبادئ الخمسة التي تبنتها “نظرية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام”.

وعن الأدبيات الأكاديمية المكتوبة باللغة العربية، يقول مؤلف الكتاب بأنها “محدودة ووصفية استعراضية لمواثيق الشرف المحلية والغربية دون مساءلة طبيعة هذه الأخيرة سواء في مرجعيتها أو أدائها، وهوما أدى إلى تذبذب دلالة تلك السمات الموصوفة ضمن الأخلاقيات وعدم فعاليتها في الواقع”.

ومن النقاط المهمة التي لفت إليها الانتباه كتاب “نظرية الواجب الأخلاقية في الممارسة الإعلامية”، الإقصاء الذي مارسته هذه الأدبيات لمرجعية الدين الذي يعتبر المنبع الأساس في فهم دلالة الأخلاقيات أيا كانت طبيعة المهنة.

وفي هذا السياق، يقدم الكتاب قراءة مركزة للنظريات الأخلاقية الغربية الاغريقية والمعاصرة ويحاول وضع معالم نظرية حضارية بهدف وضع أخلاق الإعلام في المنطقة العربية والاسلامية على أسس فلسفية وقيمية ذات نطاق واسع وأشمل من المعاني وبيان أوجه التباين والتقاطع مع النظريات الأخلاقية القائمة بهدف نقل المسألة الأخلاقية في الإعلام إلى الدراسة المعرفية الأكاديمية المتخصصة وإدخال القيمية بوصفها المحرك  الأساس في الأداء الإعلامي الحضاري في الممارسة الإعلامية بالمنطقة.

النظريات الأخلاقية  في الإعلام

خصص الكتاب جزء مهم من صفحاته للنظريات الأخلاقية الغربية بدء بنظرية الفضيلة أو الوسط الذهبي لأرسطو، ومرورا بنظرية المنفعة لــ”بانثام” و”جون ستيوارت ميل”، وانتهاء بالنظريات التي تدعو إلى العودة إلى طبيعة الانسانية البحتة. وهكذا يتناول الكاتب نظريات غربية من قبيل : أخلاق الوسط الذهبي وأصل الفضيلة، أخلاق الواجبات المطلقة والطبيعة الانسانية لإيمانويل كانت ، أخلاق العواقب والسعادة القصوى أو نظرية المنفعة، أخلاق المسؤولية الاجتماعية وتأثير الرأسمال المادي، مع التركيز على أخلاق الكائن الانساني لكليوفورد كريستنز الذي انتقد النظريات الأخلاقية الغربية باعتبارها نحلية المرجعية وتحمل نزعة ليبرالية تستثني المرجعيات  الثقافية والحضارية  الأخرى.

أما في السياق العربي والاسلامي فيرى الكاتب أنه من الصعب الحديث عن فلسفة أخلاقية خارج المرجعية الفقهية عدا من زاوية النقل أو التعليق أو التعامل أو نقد الفلسفة الغربية على النحو الذي قام به أبو حامد الغزالي في نقده لمذاهب الفلاسفة اليونانيين ، معتبرا تاريخ أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية والاسلامية هزيل ولم يكن تاريخيا مستقل “بقدر ما يحاكي المصفوفات اللفظية الغربية في الشكل دون المضمون الذي ظل باهتا إن في الدلالة أو الممارسة”.

مواثيق الشرف.. تذبذب في المرجعية

وعن مواثيق الشرف، وبعدما  أشار الكاتب إلى البدايات الأولى في السياق الغربي والمنطقة العربية، بسط مجموعة من الأمثلة والنماذج، موضحا  كيف أضحت المواثيق الشرف الأخلاقية  ( من ميثاق فيدرالية الصحفيين العرب سنة 1972 إلى ميثاق قناة الجزيرة الإخبارية سنة 2004 )، غير فاعلة بسبب مجموعة من العوامل من بينها: الرقابة الذاتية، الضغوط الإدارية التي تمارس على الممارس الإعلامي، غياب ثقافة النقد، تراجع مستوى التكوين..كما تعاني، حسب عبد الرحمن عزي، من تذبذب في المرجعية، وتأتي مفرداتها في الغالب في شكل عموميات دون لون واضح يطبعها.

 الواجب الأخلاقي في الممارسة الإعلامية

يطرح الكتاب مفهوم “الواجب الأخلاقي” انطلاقا من نظرية الواجبات الضرورية لـ”     إمانويل كانت” والإلزام الإيجابي عند عبد الله دراز حيث يقوم بمقارنة معرفية بين النظريتين ويربط ذلك بمفهوم الواجب الأخلاقي في الممارسة الإعلامية.

ويقدم لنا الكتاب نظرية الواجب الأخلاقي (وهي نظرية جزئية في إطار نظرية الحتمية القيمية لعبد الرحمن عزي)  كأداة ومرجعا في اتخاذ القرارات الأخلاقية في الممارسة الإعلامية و في مواثيق الشرف، إذ يعتبر الباحث المرجعية في أخلاق الإعلام، مرجعية حضارية “مستمدة من المصادر التراثية  ذات الأساس الديني بشكل عقلاني متجدد ذو الصبغة العالمية..ومصدر القيمة ديني في الأصل غير أن تناولها يكون بالتأويل العقلاني الواعي المتجدد”.

وترتكز نظرية الواجب الأخلاقي على أربعة مبادئ أساسية تتفرع إلى مجالات فرعية تستوعب المستجد في الممارسة الإعلامية عبر الزمان والمكان، وتسمح بالارتقاء بالممارسة الإعلامية ومن الارتقاء بالمجتمع من الناحية المعرفية والحضارية:

المبدأ الأول :  يتعلق بمنع الضرر على الآخرين من طرف الصحافي والمؤسسة الإعلامية انطلاقا من الرؤية القيمية والوعي الداخلي للإنسان بوصفه كائنا متميزا مستقلا وذي كرامة وحرية تتجسد فيه ومن خلاله إنسانية الانسان.

المبدأ الثاني : تكون فيه الرسالة الإعلامية رسالة أخلاقية بأبعادها المعلوماتية والمعرفية والثقافية والاجتماعية، حيث أن القيمة هي المحرك الأساسي للصحافي والمؤسسة الإعلامية.

المبدأ الثالث : يتمثل في تقديم العون للمتضرر والمحتاج.

المبدأ الرابع : تشجيع ممارسة النقد البناء.

إن كتاب عبد الرحمن عزي، دعوة إلى إعادة النظر في المشهد الإعلامي العربي من الناحية الأخلاقية، حيث تتحول وسائل الإعلام إلى “كائنات أخلاقية”. وطبعا لاينحصر ذلك، من وجهة نظر الكتاب، في مواثيق الشرف بل يخص الإنتاج الإعلامي وتفاصيل الممارسة الإعلامية اليومية من خلال  القرارات “الأخلاقية” التي يتخذها الصحافي ومؤسسته الإعلامية في مباشرتهما لتغطية أحداث المجتمع وقضاياه.

بكلمة، يسعى الكتاب إلى نقل المسألة الأخلاقية الإعلامية من الحقل التربوي إلى الحقل الأكاديمي القائم على التحليل العقلاني، محاول نحت نظرية تمتح من  خصوصية المرجعية الإسلامية.

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
%d8%a5%d8%b5%d8%af%d8%a7%d8%b1

مؤلف جديد يستعرض توجهات السياسة الحضرية الكولونيالية بالمغرب

صدر حديثا كتاب جديد تحت عنوان “توجهات السياسة […]

%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b7%d9%8a31

الجعماطي يحقق كتاب “تواريخ السبتيين”

صدر ضمن منشورات المجلس العلمي المحلي لعمالة المضيق […]

cwlwldhwyaanaba

الفلسفة والتاريخ إصدار جديد ل عبدالله العروي

صدر للمؤرخ المغربي، عبد الله العروي،  مولود ثقافي […]

0_45931521

مجلة “الإسلام اليوم” تستشرف معارك المستقبل

صدر العدد الجديد من المجلة الأكاديمية “الإسلام اليوم” […]

محليات
17425945_265328353925966_9021555836589399067_n خريبكة

“الحد من شغب الملاعب الرياضية” عرض بثانوية بن تاشفين بخريبكة

احتضنت ثانوية يوسف بن تاشفين التأهيلية بمدينة خريبكة […]

الجمعية الخيرية الخميسات

الإدارة السابقة لدار الطالبة بـ”البراشوة” تطالب عامل إقليم الخميسات بإنصافها

طالبت الادارة السابقة لدار الطالبة بالبراشوة من سلطات […]

Gendarme-Mort-504x300 مراكش

تفكيك عصابة إجرامية بمراكش

تمكنت عناصر الدرك الملكي بمراكش، من تفكيك عصابة […]

salé سلا

الجريدة الرسمية تنشر قرار تقييد المدينة العتيقة لسلا في عداد الآثار

صدر قرار لوزير الثقافة بالجريدة الرسمية يقضي بتقييد […]

أخر المرئيات
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: