الخميس 1 رجب 1438 الموافق 30 مارس 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

شهادات مَن في القبور.. أحياء بين الأموات

09.03.2017 12h28 - أخر تحديث 09.03.2017 12h30

المقابر

عندما تطأ قدماك ترابها، وتجول ببصرك داخلها، تتسلل إلى نفسك مشاعر الرهبة المتحفزة، بسكون المكان، وانحسار الزمان، ومصير محتوم للإنسان.

من النظرة الأولى، لا يبدو في هذا المشهد المهيب، أي شيء غريب، هناك فقط قبور ممتدة على مد البصر، تنتصب شاهدة على أناس كانوا قبلنا أو معنا، ورحلوا عن الدنيا، واستقروا في باطن الأرض، تركوا كل شيء وراءهم، لا مال ولا جاه ولا منصب ولا ولد ولا متاع..

الجميع هنا، سواسية بحكم القدر، لا يمكن أن تفرق بين عربي وعجمي ولا بين أبيض وأسود، ولا بين غني وفقير.. تراب الأرض يجمعهم، والوحشة توحدهم، هنا تسقط الألقاب والأحساب والأنساب، تذهب المناصب، ويعود الإنسان إلى أصله، كما بدأ.

منازل للأموات.. ملاجئ للأحياء

إذا كانت المقابر في حقيقتها، منازل يستقر بها الأموات، فهي تخفي في داخلها أسرار وغرائب، فهناك أحياء، يجدون في هذا المكان الموحش، مجالا لتدبير أمورهم، وقضاء حاجتهم، فقد أصبح ملاذا وملجأ لأناس، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتقطعت بهم السبل، فلجؤوا إليها لكسب قوتهم بين الأموات.

منهم الذي جاء لاستجداء زوار المقابر ليعطوه دراهم معدودات، ومنهم من قدم إليها للعمل في حفر القبور، ومنهم من يقصدها لمقارفة المحظور.

في المقابر، هناك زوار يأتون للترحم على ذويهم وأقربائهم، وهناك زوار آخرين يأتون لممارسة طقوس الشعوذة والسحر، وقد يلجؤون لنبش القبور من أجل تحقيق نواياهم الشيطانية، فلم يعد سرا أن المقابر مكان مفضل لممتهني الدجل والشعوذة.

كل هذا، سببه ما تعانيه مقابر المغاربة المسلمون من إهمال وسوء تدبير، فهي لا تتوفر على حراس ولا على إدارة خاصة مكلفة برعاية شؤونها، على خلاف المقابر الخاصة بالنصارى واليهود.

شهادات من قلب المقبرة

“الحاج” رجل مسن 75 عاما، يزاول مهنة بناء المقابر بمحل ملاصق لمقبرة باب “معلقة” المتواجدة بسلا القديمة، منذ 45 سنة، تحدث لـ”جديد بريس”، عن الفوضى والتسيب الذي تعرفه المقبرة، منذ 5 سنوات على إغلاقها.

وأوضح المتحدث أنها امتلأت عن آخرها، ولم يعد فيها مكان للدفن، وهو ما دفع السلطات المحلية إلى إغلاقها، ومع ذلك يؤكد الحاج، يوجد هناك “سماسرة” يشتغلون داخل المقبرة بدون سند قانوني، يقومون بدفن الموتى الجدد، بعد نبش القبور القديمة، مقابل مبالغ مالية مرتفعة.

وأشار المتحدث إلى أن المقبرة تعاني من غياب المن لعدم خضوعها للحراسة، وهذا ما جعلها قبلة للمتشردين والمجرمين والمتسولين، محملا المسؤولية للجماعة المحلية لسلا.

أما أحمد، الرجل الستيني، فهو المكلف بمقبرة سيدي بالعباس بسلا القديمة، حيث أكد لـ”جديد بريس” عدم صحة الأخبار التي راجت في بعض المواقع الإخبارية، التي تحدثت عن انهيار عدد كبير من المقابر جراء الفيضانات الأخيرة.

وأضاف المتحدث بأنه يوم الخميس 23 فبراير، الذي وقعت فيه الفياضانات بالمدينة، استقبلت المقبرة الجنائز كما هي العادة وقاموا بإجراءات الدفن، وقد عاينت الجريدة السجل الخاص بتدوين المتوفين، في ذلك اليوم ويبلغ 4 حالات وفاة تم دفنها.

كما أكد أحمد أنهم ظلوا يشتغلون طوال اليوم، رغم الأمطار الغزيرة، ولم يتوقفوا عن العمل، ولتأكيد كلامه، أخذنا في جولة قصيرة داخل المقبرة، وأطلعنا على بعض القبور التي أصابها التصدع، بفعل الأمطار الغزيرة، التي أتت على أساساتها.

وأشار المتحدث إلى أن أرضية المقبرة مكونة من تراب “الحمري”، التي تتحلل بسرعة عند اختلاطها بمياه الأمطار، بخلاف الأرضية الرملية، التي تبقى صلبة رغم تبللها بالماء.

وعندما سألناه عن صحة بعض الأخبار التي تقول إن القبور المعدة للدفن، قد امتلأت بماء المطر في يوم الفيضانات، ولم يتمكن العمال من دفن الموتى، أكد لنا أحمد بالملموس أن ذلك غير صحيح، وأنهم بعد حفر القبور وتجهيزها للدفن، يغطونها حتى لا يسقط فيها أي شيء، حسبما توضح الصور التي التقطتها الجريدة.

من المسؤول عن هذا العبث ؟

كثير من المواطنين يتساءلون عن المسؤولين عن هذا العبث بمقابر المدينة القديمة لسلا، فمن المفترض أن الجماعة المحلية للمدينة هي المسؤولة عن إدارة شؤونها، بحكم الاختصاص الترابي الذي يخوله لها القانون، لكن هناك أطراف أخرى متدخلة في هذا الملف، كوزارة الداخلية والأوقاف ومجلس المدينة وغيرهما، لذلك لا يمكن حل المشاكل التي تعاني منها مقابر سلا، إلا بالتنسيق والتعاون بين مختلف المتدخلين، بشكل سريع وحازم، للوقوف في وجه الذين يعبثون بحرمة المقابر.

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
DSC_1053

العرائش.. صمود مدينة طالها النسيان

ببناياتها البسيطة ذات المعمار الإسباني تستقبلك مدينة العرائش […]

Capture

روبورتاج: نساء ورجال “أنركي” في “رحلة الشتاء” لجلب “ثانوية”

بنين وبنات.. شيب وشباب.. نساء ورجال… لا وقت […]

مغربية تهدي الحيوانات الضالة “محمية” طبيعية

اختارت المغربية “سليمة القضاوي”، تسخير وقتها ومالها، في […]

بالصور.. اعترافات “داعشي” اغتصب 200 امرأة وقتل 500 شخص

انتهى المطاف بالمسلح في تنظيم الدولة (داعش)، المدعو، […]

%d8%aa%d8%b8%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9

مسيرة الرباط من أجل كرامة الموطن المغربي

عاشت الرباط نهاية الأسبوع الماضي، شأن باقي الحواضر […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: