الجمعة 30 ذو الحجة 1438 الموافق 22 سبتمبر 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

سوق “بلاص بتري” بالرباط.. عطر وجمال وأشواك يئن من وخزها “المهنيون”

07.03.2017 19h00 - أخر تحديث 07.03.2017 19h52

الورد

سورق الورد بالرباط

شكل سوق الورد بساحة الحسن الأول، حي حسان الإداري بالرباط، أحد المعالم المرجعية بالعاصمة، ويعتبر مركزا من مراكزها، اشتهر باسم “مارشي النوار” وارتبط اسمه بالساحة التي كانت تسمى ساحة “بلاص بتري” Place Pietri. سوق تأسس منذ خمسينيات القرن الماضي حول بيع الورد في باقات فنية تزيد جمالية الورد وأناقته، يضم حاليا حوالي 15 متجرا لبيع الورد، ويعتبر من الأسواق المركزية لتسويق هذا المنتوج وطنيا، ويشتغل به أكثر من 60 عاملا، أصحاب المحلات يستفدون من حق امتياز أعطي لهم في السابق، مباشرة بعد خروج المستعمر الفرنسي، حيث يروي الباعة أن الفرنسيين هم من أسسوه.

رغم مرورنا بقربه كل يوم، إلا أن زيارتنا له هذه المرة جعلتنا نرى السوق بعين أخرى، فرغم كل الجمال الذي يرمز له الورد المعروض في تناسق وفنية، إلا أنه يخفي وراءه أشواكا يئن من وخزها باستمرار كما يحكي أهل السوق.

محمد أحد باعة الورد ب”بلاص بتري”، لأزيد من ثلاثين سنة، يتكلم عن السوق والورد بحسرة وتذمر، يقول “مارشي نوار تغير كثيرا، القيم بالسوق تغيرت، وتغيرت رمزيته وخفت صيته.

عشوائية وغياب التنافسية
يشتكي البائعون من كون السوق غير منظم، ولا يحتكم لقانون مسير. وقال أحدهم “الدولة تحارب السكن العشوائي (البرارك) ونصبتهم بوسط المدينة” مضيفا “لا واجهة جمالية لا أرضية، لا شكل يوحي أنه سوق للورد”.
يبدو أن السوق يعاني من عشوائية حتى في ملف تدبيره، حيث فوتت ساحة الحسن الأول ل”سي دي جي باركينغ”، وسجلت التجديد غضبا عند الباعة على “من يسيرون” محتجين بكون السوق له تاريخ وأن استبدال هندسة الساحة ضيع الكثير من خصائصه.
ويرى الباعة أن الأكشاك التي يبيعون بها مهددة بالحريق وبالرياح في أي وقت، واشتكوا من غياب النظافة وصعوبة الولوج للسوق. وقالوا إن وضعية السوق الجديدة أثرت على نشاط البيع (خضعت الساحة لتغيير وأنشئ مرآب للسيارات وقاعة للعروض بطابقها السفلي بالإضافة إلى مقاهي وساحة، وكل هذه المرافق تابعة لشركة “سي دي جي باركينغ”) الأمر الذي يرفضه الباعة ويفضلون التحاور مباشرة مع الولاية أو السلطة المنتخبة.

بالإضافة إلى أن السوق لا يحكمه أي نظام للأسعار ولا يخضع للمراقبة (حسب المهنيين).

“الورد مشا مع مواليه”
“الورد مشا مع موليه” بهذه العبارة أجابنا يونس بائع آخر بالسوق نفسه، وهو يتحسر على أيام مضت قال عنها “أيام الصبا وليالي الأنس بالمارشي د النوار”. يونس في مقتبل العمر يبدو مزهوا بمهنته، كمن خبر بعض خبايا الورد واستفرد بها يتحدث بشاعرية مفرطة وكأنه ينظم رثاء في السوق وأحواله وتغزلا في الورد وقيمته، وهجاء لسلوك المستهلك الذي لا ثقافة ورد بجعبته. يقول لنا بحزم ممزوج بالمرارة “هذا هو الواقع”. وحمل يونس المسؤولية للجميع واعتبر الكل متواطئ “الكل مساهم في هذه المأساة، أصحاب الورد و المسؤولين” وتابع وهو يحاول تقريب صورة ما قال عنه إنه الواقع إلى أذهاننا “لا يوجد سوق في العالم ليس فيه مرآب للسيارات أو مرافق صحية ومكان للصلاة”.

إقبال موسمي
أجمع كل من حدثتهم “التجديد” في السوق على تواضع إقبال الزبائن وعلى تراجع المبيعات، وقالوا بلسان رجل واحد أن البيع موسمي، وأن المبيعات تتحرك قليلا في عيد الحب، وبعده اليوم العالمي للمرأة بنسبة أكبر وفي فترة الأعراس والمناسبات صيفا. ومعلوم أن الورد من المنتجات التي تفسد بسرعة إذا لم يبع كما أن صيانته صعبة، هذا ما يفسر حالة استياء، التي تكاد تكون عامة لدى الباعة، ورغم أن الورد من أكثر الأشياء التي ترسم البسمة، وتبعث الرّاحة والتّفاؤل بألوانها الزّاهية ورائحتها الزكيّة، إلا أن الباعة يشتكون من “الموت الذي يعم السوق” خارج فترات المناسبات.
ومن طبيعة الورد أنه يكثر في الصيف ويقل وقت البرد، ما يجعل أسعاره بالسوق تخضع لقانون العرض والطلب وفق ظروف الندرة والوفرة.
تتكاثر ضيعات الورد الصناعي أو ورد الزينة بإقليم بني ملال، ويتوزع على استغلاليات أكثرها عائلية، ومنهم من يحمل ورده وييمم الأسواق طالبا القرب. يعرف المنتجون كما الباعة أن سوق الورد موسمية، فيعدون العدة ويهيئون المحصول.
التقت “التجديد” بعبد الله فلاح موزع من بني ملال “من مزودي سوق بلاص بتري”، حدثنا عبد الله عن الزراعة وإكراهاتها قائلا إنه يشتغل في استغلالية فلاحية مغطاة تبلغ مساحتها حوالي 13 هكتار تشغل 30 عاملا قارا بالإضافة إلى موسمين وقت الجني.
وقال عبد الله إنهم يستعملون بذورا مستوردة، وأن أكبر الأسواق استهلاكا للورود هي الدار البيضاء تليها الرباط، وأن “بلاص بتري” من الأسواق المهمة على أجندة الفلاحين والموزعين.

قطاع غير مقنن
علي شاب في مقتبل العمر، يبدو مختلفا عن الباعة الذين التقتهم “التجديد”، يظهر دراية أوسع بالمجال وتشعباته وسوقه الدولية، عرفنا أنه ابن عائلة اشتغلت في الورد منذ القدم وورث المهارة أبا عن جد.
قال علي “هذا المجال غير مقنن، كل يعمل لوحده، ورغم وجود جمعية فهي شكلية فقط، تغيب فيه المنافسة الشريفة”.
ينتظم تجار السوق في جمعية تمثلهم لدى السلطات إلا أنهم لا يرون لها دورا في الواقع.
حكى لنا يونس عن المزودين وعن مصادر الورود، وأخبرنا عن “السوق السوداء” وعن موردين لزهرة “لي ليس” وكيف تصل السوق عبر التهريب. وحدثنا عن هولندا وإسبانيا، وقال إن المغرب يتعامل أكثر مع إسبانيا لعوامل القرب، فيما تعد هولندا متطورة في مجال تعديل الجينات وتطوير الزراعة، ليخلص أن كينيا هي الأولى عالميا في إنتاج الورد لتوفرها على يد عاملة رخيصة ومناخ ملائم يجعل الكلفة منخفضة.

السوق استراتيجي
رغم صغره ومشاكل الباعة إلا أن سوق “بلاص بتري” يبقى من بين أشهر الأسواق بالمغرب في بيع الورود وتصل نسبته حسب الفاعلين حوالي 5 بالمائة من إجمالي سوق الورد بالمغرب، كما أنه يعتبر تراثا.
ومما يضعف السوق عدم انتظام الباعة في قوة تفاوضية، تجعل منهم كتلة بنفس الهدف. ويرى علي أن القطاع يمكن أن يتطور خلال خفض الكلفة عن الفلاحين عبر تزويدهم بالأدوية والسماد. وأشار إلى أن التقلبات المناخية والجريحة تضر بالورد وكذا “الشرقي”، موضحا أن الورد حساس في زراعته وفي بيعه وفي حفظه، راق في التعبير عند إهدائه.
ويوفر سوق بلاص بتري تشكيلة متنوعة من الورود تصل إلى 500 نوع بين الورد والزهر والنبات الزهري وزبناؤه من مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية، ويحتاج مهنيو البيع إلى أدوات بسيطة ومهارة كبيرة، سكين ومقص وبعض الشرائط ليقدم باقات متناهية في الترتيب والجمالية.
وبينما نحن في السوق كان المزودون يتوافدون تباعا، يحملون أنواعا مختلفة من الزهور، ووقفنا آخر النهار على بورصة صغيرة للورد ب”بلاص بتري”، حيث قدم مزود من ضيعة فلاحية يحمل الورود فقط بألوان مختلفة. قال لنا الفلاح أنه يبيع في الرباط فقط، وأن باعة “بلاص بتري” زباؤنه الرئيسيون لأكثر من 25 سنة “عندي 15 محل، أعد لهم طلباتهم خصيصا بحسب المناسبة، نعد الورد الأحمر بكثرة لعيد الحب وعيد المرأة وباقي الألوان لموسم الأعراس”.
وأخبرنا أن الضيعة التي استقدم منها الورد تشتغل بتقنيات حديثة وتعتمد نظام الري بالتنقيط، وعن المشاكل قال الفلاح الموزع “مشكلتنا الأساسية هي التسويق”.

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
DSC_1053

العرائش.. صمود مدينة طالها النسيان

ببناياتها البسيطة ذات المعمار الإسباني تستقبلك مدينة العرائش […]

المقابر

شهادات مَن في القبور.. أحياء بين الأموات

عندما تطأ قدماك ترابها، وتجول ببصرك داخلها، تتسلل […]

Capture

روبورتاج: نساء ورجال “أنركي” في “رحلة الشتاء” لجلب “ثانوية”

بنين وبنات.. شيب وشباب.. نساء ورجال… لا وقت […]

مغربية تهدي الحيوانات الضالة “محمية” طبيعية

اختارت المغربية “سليمة القضاوي”، تسخير وقتها ومالها، في […]

بالصور.. اعترافات “داعشي” اغتصب 200 امرأة وقتل 500 شخص

انتهى المطاف بالمسلح في تنظيم الدولة (داعش)، المدعو، […]

%d8%aa%d8%b8%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9

مسيرة الرباط من أجل كرامة الموطن المغربي

عاشت الرباط نهاية الأسبوع الماضي، شأن باقي الحواضر […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: