الجمعة 30 ذو الحجة 1438 الموافق 22 سبتمبر 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

روبورتاج: نساء ورجال “أنركي” في “رحلة الشتاء” لجلب “ثانوية”

09.03.2017 12h00 - أخر تحديث 09.03.2017 12h00

Capture

بنين وبنات.. شيب وشباب.. نساء ورجال… لا وقت لديهم للكلام، يضمدون جراحهم والتهاب أقدامهم من فرط المشي لمسافات طولية.

نساء ورجال “أنركي”، المنطقة الجبلية التابعة لإقليم أزيلال، شمروا على ساعد الجد وحملوا على أكتافهم مسؤولية إبلاغ صوتهم للمسؤولين، بعدما ركبوا صهوة القدر في منعرجات جبال الأطلس المتوسط، عبر شعابها وأوديتها، وبردها القارس وثلوجها…

التقتهم “جديد بريس”، واقتربت منهم، واستمعت لآلامهم وأملهم في مطلب وحيد “كراسي لأبنائهم في ملحقة ثانوية بأعالي الجبال”.

معاناة قاسية وألم

قالت سيدة في الخمسينيات من عمرها، وهي تزيل حذاءها البلاستيكي بلكنة أمازيغية، في تعبير قوي عن معاناة قاسية وألم لا تعبر عنه الكلمات، وإنما تقاسيم جسم نحيف وثوب فوق جلد فوق عظام: «لا نريد سوى حقنا في الكرامة»، بتعبير أهل الحواضر.. هكذا يمكن ترجمة عبارة هذه السيدة، وهي تعرض التهابات قدمها من فرط الإجهاد والعياء بسبب المشي بحذاء قْدّرَ على نساء هذه المناطق الجبلية الوعرة أن لا يلبسن سواه، صيفا وشتاء.

أجساد نسوة ورجال يأكل من نضارتها شظف العيش وتعاقب سنوات الدهر.. أجساد وأرواح تلتقي في دوار المعاناة المشتركة، «نحن قيادة منذ الاستعمار بحت حناجرنا لعقود من أجل لفت الانتباه إلى حالنا ولا أحد حقق لنا ولو الحد الأدنى من المطالب…»، تُردف سيدة ثانية شربت من نفس الضنك.

عبق التاريخ

حطت مسيرة أهالي أنركي بصعيد على الجبال المطلة على مدينة بني ملال.. منظر طبيعي يسحر العقول، لكن سرعان ما يَسقط سهم جمال الطبيعة أمام قبح واقع هؤلاء “البؤساء” الذين لم تثنيهم عن السير، لا قساوة المناخ، ولا بُعد المسافات، ولا وعورة التضاريس… ليذكروننا بملاحم رجال مقاومين من قبائل أيت سخمان وآيت عطا في هذه الربوع من الوطن.

“آيت وانركي”، كما يحلو لأهاليها تسميتها، كانت على مدى عقود من الزمن ذكرى لأسوء المعاناة، إذ كانت فيما مضى من الأزمنة “منفى” لأحد السلاطين، وتُعرف في التاريخ الحديث بالمناطق المصنفة من قبل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والإنصاف والمصالحة من المناطق المشمولة بجبر الضرر الجماعي، بالإضافة إلى شموخ رجال “أسود  ضارية” في وجه الاستعمار.

قانون الجماعة

نادى المنظم عبر مكبر الصوت عموم المشاة أن يقتربوا لتناول وجبتهم الأساسية “خبزة واحدة من الدقيق الأسود وعلبة سردين” لمواجهة حاجيات الجهد المطلوب.. قمة في التنظيم الجماعي.. قمة في الامتثال إلى “قانون الجماعة” و”الشورى”، استحياء الصغير من الكبير.. أخلاق لم تمسسها بعد ترسبات التمدن “المقيت”.

أخذ كل واحد حصته دون زيادة، فأكلوا بنَهَم وبدون تلكؤ بدافع الحاجة وواجب متطلبات الجسد والمهمة.. يقتسمون فيما بينهم جرعات الماء وكسرات الخبز في صمت رهيب، وإن كان هناك من حديث فإنما يكون فقط لحشد الهمم لمواصلة السير، والنضال من أجل حق فلذات أكبادهم في “مقاعد دراسية” بمؤسسة تعليمية، اسمها، “الثانوية”، لإنهاء ثقل تكاليف تمدرسهم خارج البلدة، أو توصية بعدم إغفال المتأخرين منهم في المشي.

طفولة محرومة

أكد طفل في 10 من عمره أن أباه اضطر إلى إبقائه بالبيت، لأنه لم يقوَ على مصاريف دراسته خارج البلدة، قال بكل براءة: «خرجتُ من الشهادة (السادس ابتدائي) لأن الوالد مافحالوش».

طفل آخر عمره 15 سنة، يصرح لـ”جديد بريس”، «لم أتمكن من متابعة الدراسة بسبب انعدام الثانوية وعوز الأسرة وأنا اليوم أسير مع قبيلتي من أجل تمكين القادم من الأجيال من مقاعد دراسية بالثانوية».

واقع يدخل كالخنجر في قلب المتلقين ممن بقي في أنفسهم ذرة إنسانية…

هَمٌّ مشترك.. وجلد مشترك.. وهدف مشترك.

أسَرَّ إليَّ أحد المنظمين أنهم ألزموا “المشاة” على أن يتركوا مكانهم نظيفا للقادمين من الداخل، خاصة في نهاية الأسبوع الذي يصادف مسيرتهم.. إنه شعور بالمواطنة الحقة والمسؤولية الإنسانية.. رُقي وتحضر، وإن لم تدق الحضارة بطُرقها وإنارتها ومواصلاتها ومؤسساتها وبناها التحتية بعد باب هذه القرى في المغرب العميق.. “المغرب غير النافع”، الوصف الذي يُطلقه البعض على المناطق غير “المتمدنة”.

تضحيات تهتز لها الجبال

كشفت عجوز عن قدمها المتشقق من فرط المشي، تنزف دما، وقد تكونت قشرة سميكة من الجلد على مخمصتها لا تدع مكانا للشك بأن المطلب كبير وتهون في سبيله صحة الشيبة التي طوت ما يزيد عن 70 كلم مشيا على الأقدام، بعيدا عن الأجواء الاحتفالية التي تنظمها “أخواتها ” من نساء الحواضر نهاية الأسبوع أو خلال العطل على طرق “الكورنيش”.

لا أحد يمكن أن يستوعب حجم دوافع هذه التضحيات الجسام التي تهتز لها جبال الأطلس إلا عندما يبلغ إلى مسامعك خواطر الآباء الذين يضطرون إلى فراق فلذات أكبادهم لمدد تصل إلى شهرين أو ثلاثة متواصلة.

قال أحدهم، وهو يتحدث بنبره مِلؤها الألم والحسرة: «تمنيت لو أنني أطلع على خط ابني وأن أبدي رأيي فيه هل هو خط جميل أم لا، وأن أتفحص دفاتره وأوجهه وأستمع إلى قراءته وأرى كتابته، لكن للأسف هذا ليس من حقي لأنني أرسل ابني إلى بلدة ثانية وهو في 10 أو 11 من عمره».. إنها صدمة عاطفية.. نصيب من “قسوة” القدر، هذا الذي يشعر به الآباء.. مخاوف مشروعة عبَّر عنها الأب “المكلوم” خوفا من أيام لا يدري ما تحمله من مفاجآت أو فواجع، «لقد عثرنا على طفل صغير مكبل داخل كيس بإحدى البلدات التي نرسل إليها أبناءنا لدراسة الإعدادي»، قالها الأب وهو يتنهد تنهيدة المتألم.

تتواتر الأمهات والآباء أخبار فلذات أكبادهم عبر “سُعاة بريد” محليين يتسَوَّقون من الأسواق، أو سائقي الشاحنات وسيارات النقل.. صلة وصل تنقل أخبار أطفال لا يزالون في حاجة إلى الدفء الأسري والحماية.

بعد بلوغ العوائل والأسر بني ملال، وكأن القدر شاء أن يجمع همّ الأمس بهمّ اليوم، حيث اختار المشاة الاعتصام بالمكان ذاته الذي سبق أن اختارته ساكنة “تاسرافت أيت عبدي” للاعتصام بالقرب من مبنى ولاية جهة بني ملال ـ خنيفرة.. هرعت إلى مكان الاعتصام وسائل الإعلام المحلية والجهوية، وممثلين عن المجتمع المدني والحقوقيين، وبعض المنتخبين، لاستشكاف الأمر والوقوف عند حجم المعاناة ومعرفة نوعية المطالب التي حملوها معهم طيلة “رحلة الشتاء”، حيث لم تكن أحوال الطقس رؤوفة بهم، وكأن ذلك قدرهم السرمدي، فبعد محاصرتهم بالثلوج في قمم بلدتهم ها هي الأمطار العاصفية تنزل بغزارة في ليل بارد دخل فيه سكان المدينة إلى بيوتهم تحت أفرشتهم الدافئة، فيما التحف أهالي “أنركَي” قطعا من البلاستيك للاحتماء من المطر في هذا المكان الخالي، معلنين رفع التحدي والإصرار من أجل تحقيق المطالب المشروعة… في انتظار قرار المسؤولين يقضي بإنهاء معاناة الآباء والأمهات، ومعها معاناة الأبناء… وهنا انتهت القصة.

 

 

 

 

 

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وسوم:

أخبار في نفس القسم
DSC_1053

العرائش.. صمود مدينة طالها النسيان

ببناياتها البسيطة ذات المعمار الإسباني تستقبلك مدينة العرائش […]

المقابر

شهادات مَن في القبور.. أحياء بين الأموات

عندما تطأ قدماك ترابها، وتجول ببصرك داخلها، تتسلل […]

مغربية تهدي الحيوانات الضالة “محمية” طبيعية

اختارت المغربية “سليمة القضاوي”، تسخير وقتها ومالها، في […]

بالصور.. اعترافات “داعشي” اغتصب 200 امرأة وقتل 500 شخص

انتهى المطاف بالمسلح في تنظيم الدولة (داعش)، المدعو، […]

%d8%aa%d8%b8%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9

مسيرة الرباط من أجل كرامة الموطن المغربي

عاشت الرباط نهاية الأسبوع الماضي، شأن باقي الحواضر […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: