الاثنين 30 شوال 1438 الموافق 24 يوليو 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

المرأة والمجتمع والمساجد

15.11.2013 00h00 - أخر تحديث 15.11.2013 00h00

       في بعض الأوقات، البدء بمسائل بسيطة ملموسة -وهذا لا يعني كونها سهلة التناول- في التعامل مع القضايا المحيطة يكون ذا أهمية كبيرة. غالباً ما تتجمع المجتمعات ذات الأغلبيَّة المسلمة والأوساط الإسلاميَّة في الغرب أو أفريقيا أو آسيا حول المساجد التي تؤدي بطريقة أو بأخرى دوراً مهماً في توجّه المجموعة وجمود تفكيرها، وغالباً ما يتم التقليل من  شأن هذا الدور عند التصدي لقضيَّة المرأة: فيجري التركيز على الزيّ والوضع العائلي والحضور الاجتماعي ـ ولا عيب في الاهتمام بهذه المسائل الفرعيّة ـ لكن على أن لا يُتجاهَل ذلك الحيّز المهم الذي يمثّل من الناحية الفعليَّة أغلب المشكلات التي تضعف المجتمعات الإسلاميَّة اليوم.
المسجد حيّز ديني يعبّر عن فكرة سلطة معيّنة ومنهج تناول وتوزيع للأدوار، وهذه النواحي الثلاث نواحٍ أساسيَّة تؤثر في النفسيَّة الجماعيَّة للمسلمين وتشعّ بالمواقف والسلوكيات في الحياة اليومية. وهذا ليس بالأمر الجديد، فمن السهل ملاحظة الدور المركزي الذي تقوم به المساجد منذ فجر الإسلام، وما من شك في أنّ بناء المسجد في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد شكّل معنى مهمّاً لوجود المسلمين وتكيّفهم مع مكان إقامتهم الجديد. فقد بدأت حياتهم الاجتماعيَّة بالالتفاف حول المسجد، كما حدث في المدينة المنورة؛ حيث كانوا يؤدون صلواتهم اليوميَّة ويعقدون حلقات التعليم والتدريب، ويستقبلون الرجال والنساء فضلاً عن الزوار، ويؤانسون الفقراء ويزاولون النشاطات كافة ذات الصلة في المسجد. وفي سياق التفافهم حول المسجد، كان لإمكانيَّة الوصول إلى المسجد ومشاركة النساء والرجال لمساحاته أهميَّة بالغة: إذ رحّب مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالسيدات وكان الالتزام بتعليمهنّ مساوياً للالتزام بتعليم الرجال، وكذلك كان الاعتراف بدورهن الاجتماعي اعترافاً بدهياً، كما نرى على سبيل المثال لا الحصر دور السيدة أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وابنته فاطمة (رضي الله عنهما). واليوم، العلاقة بالمساجد يجب أن توضع في قلب المقاربة الشاملة التي تعمل على تقييم الإصلاحات التي يجب الالتزام بها والأولويات التي يتعيّن احترامها.
وللأسف، نجد أنّ المساجد اليوم أصبحت مساحات الرجال، وهذا لا يناظر المقاصد العليا لرسالة الإسلام البتة. وإن وُجِدت أحاديث نبويَّة عديدة تشير إلى أفضليَّة أداء المرأة صلواتها في بيتها، لكنّ جل رسالة الإسلام فضلاً عن أفعال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) تكفي لإثبات أنه يتعيّن فتح المساجد للنساء من دون قيد. ففي المسجد النبوي، اصطفّ الرجال في مقدّمة المسجد والنساء في آخره؛ لأن وضعيَّة الصلاة تقتضي التواضع والحياء. لكنّهم كانوا جميعاً في مكان واحد مما سمح للمرأة بالتعبير عن ذاتها وآرائها. وبمرور الوقت، تمّ تقسيم المساجد واستحداث مداخل منفصلة لتسهيل دخول المسجد للنساء والرجال، وإن كان هذ الأمر مفهوماً؛ حيث يرجع إلى تطوّر الثقافة وتزايد أعداد المسلمين الذين يؤمّون المساجد، وتغيير هذا الطابع للمساجد أمراً صعباً على إدارتها إلا أنّي أعتقد أنّ هذا التغيير خطوة ضروريّة. والشرط الأهم، هو السماح للمرأة بفرص متساوية لدخول أماكن عبادة مستوفية لشروط النظافة والرعاية والإمكانيات الصوتية ذاتها التي تستخدم في أماكن الرجال. لكن الحال ليست كذلك اليوم، فلا يقتصر الأمر على عدم وجود مرافق مناسبة في أماكن النساء في بعض المساجد، بل إنها تعاني في حال وجدت إهمالاً مروّعاً. وهذه الأماكن عادة ما تكون صغيرة الحجم جداً، ولا تحظى بالرعاية، أو أنها غير مزوّدة بتجهيزات صوتية، أو مجهّزة لكنّ فيها ضعف في الأغلب وهو ما يصرف النساء عن ارتياد المساجد. وفي أيام الأعياد، عندما تتزايد أعداد المصلين، ربما تُضم أماكن السيدات إلى مساحات متاحة للرجال ويُطلب منهنّ أداء الصلاة في مكان آخر أو في البيوت. وفي بعض الدول أو المجتمعات المسلمة، تنتظر السيدات في السيارات في أثناء أداء أزواجهنّ أو أشقائهنّ أو أبنائهنّ الصلاة: فلا يوجد مرافق متاحة لهنّ حتى إن وقت الصلاة ينقضي من غير أن يستطعن أداء الصلاة. وهذا الوضع يشرح بجلاء الحالة الذهنيَّة المسبّبة لهذا الوضع غير المقبول البتة.
لم يتوقّف الأمر على صعوبة ارتياد النساء للمساجد، بل أصبحت مشاركتهنّ في إدارتها نادرة واستثنائيَّة وغير واردة في بعض الأحيان. فاللجان الإداريَّة والرؤساء وأعضاء المنظمات التي تدير دور العبادة تكاد تقتصر على الرجال الذين يقررون طبيعة النشاطات التي تُؤدّى فيها بموجب رؤية محدّدة تجاه أدوار الرجال والنساء والأطفال والمسجد نفسه، يتعيّن دمج النساء في إدارة لجان المساجد بقدر ما يلزم أن يكون حضورهنّ لازم في التأملات وفي المجامع الفقهية. فهذه المجامع، التي تعني ما هو أكثر من خطب الأئمة، توجّه النشاطات في دور العبادة، وتضفي معنى على المعالجة الدينيَّة لقضايا كثيرة وتؤثر (أو تفشل في التأثير) في الالتزامات الاجتماعيَّة للنساء والرجال. وفي تلك المساجد التي يشارك في إدارتها النساء والرجال، يشعر المرء بانتماء أقوى منه في أي مسجد آخر بتوافر قدر أكبر من الرعاية بتعليم الضروريات فضلاً عن التطبيقات العمليَّة التي لها صلة بالواقع: إننا بأمس الحاجة إلى هذه المساهمة المضاعفة. فالنساء يشجّعن أكثر من الرجال (كما يتجلّي في مساحات أخرى) على التعليم الروحي الذي يركّز على المدلولات بدلاً من التركيز على المقاربات الشكليَّة التي تقتصر على الشعائر والواجبات والمحظورات. فسوف يؤدي حضورهنّ في لجان إدارة المساجد إلى إصلاح المشكلات التي لها علاقة بدخول المساجد وضعف الاهتمام بها أولاً، وسيشاركن في تنظيم نشاطات المصلين بعامة، ونشاطات الشباب والمصليات بخاصة ثانياً.
غالباً ما يتم تأكيد  دور الأئمة، وهو دور حيوي بالتأكيد؛ بسبب اتصالهم بالمصلين ومعرفتهم بالبيئة الاجتماعيَّة وطلاقتهم بلغات البلدان التي لا تتكلم بالعربية. لكن يبقى القول إن المساحة الأشد تأثيراً في المساجد في المجتمعات الإسلاميَّة الروحيَّة تبدأ قبل الخطب الأسبوعية، لأن ما يضفي شكلاً على المجموعة هو طريقة تصوّر المدراء للمساجد ولدورها وتأثيرها وعلاقاتها بالسلطة. وهذا هو المجال الذي يتعيّن على النساء والرجال أن يعملوا فيه معاً، بأعداد متساوية، على تلبية الحاجات الروحيَّة والعمليَّة للمجتمع: جعل الوصول إلى المسجد في متناول المرأة، وإعطاء دروس تركز على البحث عن المعاني والروحانيات، وتعميق التأثير الإيجابي للمسجد في البيئة الاجتماعيَّة التي يوجد فيها، وتدريب الشباب ومؤانسة الفقراء، وتأسيس وجود اجتماعي منفتح وفاعل، وما إلى ذلك من أمور شديدة الأهميّة في مساحات العبادة. هناك عدد كبير من المساجد في شتى أرجاء العالم حققت وتحقق نجاحات لافتة، ويتعيّن الثناء على مبادراتهم. لكنّ الواضح أنّ المرأة لا تزال غائبة عن تلك الديناميات في معظم الحالات، وهذا يتسبّب بحالة ذهنيَّة تساهم في تجريد المرأة من حقوقها الدينيَّة، ومن باب أولى، من مراكز السلطة والإدارة الخاصة بالمؤسسات الدينيّة. ولذلك تبدأ الانحرافات من هذه النقطة بالذات، ونتائج هذه الحالة ملاحظة بصورة يوميّة في المساجد نفسها بالمجتمعات ذات الأغلبيَّة المسلمة، عليه، فإنّ اتخاذ مقاربة تركّز على المقاصد ـ كما وصفنا في القسم السابق ـ ستتطلّب إصلاحاً جذرياً  فعلياً لإدارة المساجد. هذا العمل يقتضي من المرأة المشاركة والمطالبة بحق الاضطلاع بدورها المشروع. وسواء في العالم الإسلاميّ أم في الغرب، مثل هذه المشاركة نادرة جداً، وقد التقيتُ بمسؤولين عن المساجد في شتى الأماكن وقد اشتكوا هم أيضاً من سلبيَّة المرأة في هذا الخصوص. فالمرأة، كما كل ضحايا التمييز أو التهميش، ترضخ أو حتى تنشئ العمليات التي تستغلها في المساجد كما في الحياة، وفي العمل كما في الأمومة.
 

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
عبد الإله ابن كيران

لفهم ظاهرة بنكيران

 من السوء التقدير أن يعتقد المتتبع للشأن السياسي […]

unnamed (3)

وقالي الصنهاجي: شي حاجة في باب بوحاجة؟؟

استقبلنا الأخ مصطفى الصنهاجي رحمه الله على سلاليم […]

Capture58-700x415

مناورات مع بنكيران ومشاورات مع العثماني

كانت كل التوقعات تسير في اتجاه تشكيل بنكيران […]

راشد الغنوشي

الغنوشي يكتب: لماذا قبلت النهضة شراكة غير متكافئة؟

حيرة كبيرة بلغت حد الصدمة والنكير من سلوك […]

يتيم يكتب: ابن كيران الزعيم.. ولكن ابن كيران المعلم المستبصر!! 

أكد محمد يتيم، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة […]

حسن بويخف

المفكر والحرب على الإرهاب .. غياب أم تغييب؟

الدعوة التي جدد عبد الحق الخيام توجيهها مؤخرا […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات

إعلانات إدارية

15 نوفمبر,2013
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: