الاعتقال أو الاغتيال.. “إسرائيل” تشنّ حرباً مفتوحة على الأسرى المحرّرين

قادة القسام

“أُطلق سراحه اليوم.. فسنعتقله غداً أو نغتاله بعد غدٍ”.. هذه هي القاعدة الأمنية التي تسير عليها دولة الاحتلال الإسرائيلي وأجهزتها الاستخبارية في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين الذين يخرجون من سجونها خلال صفقات التبادل التي تتم مع المقاومة الفلسطينية، وخاصة صفقتي (وفاء الأحرار 1-2).

ما جرى من عملية اغتيال مدبّرة في مدينة غزة، مساء الجمعة 24 مارس 2017، للأسير المحرَّر والقيادي في كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مازن فقهاء، بإطلاق أربع رصاصات على رأسه، والهروب من المكان، يؤكد أن نهج الاحتلال في اغتيال القيادات الفلسطينية والأسرى المحرّرين لم يتغير، وما يزال هذا الملفّ مفتوحاً، وينتظر اختيار الاسم الذي يلي الشهيد فقهاء للتصفية أو الاعتقال.

حرب “إسرائيل” على المحرَّرين لم تنتهِ عند اغتيال فقهاء؛ فقبل العملية بأيام طالبت الإدارة الأمريكية الأردن بتسليمها الأسيرة المحرَّرة أحلام التميمي، بضغط من الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي رفضته عمّان، إضافة لرسائل التهديد بالقتل التي وصلت إلى الأسير الأردني المحرَّر أحمد الدقاسمة، بعد أن أنهى فترة السجن المؤبّد لقتله فتيات إسرائيليات عام 1997.

- حرب إسرائيل المفتوحة

“أبو مازن فقهاء”، والد الشهيد مازن، الذي توجد عائلته بمدينة طوباس شمال الضفة الغربية المحتلّة، أكّد أنهم تلقّوا العشرات من رسائل التهديد من قبل قوات الاحتلال “الإسرائيلي” باستهداف وقتل ابنه مازن رغم وجوده في غزة.

وأكّد في تصريح خاص لمراسل “الخليج أونلاين”، أن الاحتلال أبلغهم بكل صراحة أن ابنهم مازن هدف مشروع لهم حتى وإن كان في غزة، مضيفاً: “قال لي أحد الجنود الإسرائيليين بعد اقتحام منزلنا بطوباس قبل أشهر، يد الاحتلال ستطول ابنك، وانصحه بترك المقاومة وإلا فمصيره الموت”.

وأضاف: “التّهمة الموجّهة لمازن أنه ينتمي لكتائب القسام، ويواصل عمله المسلّح في قطاع غزة”، موضحاً أن الشهيد مازن كان يتمنّى الشهادة طوال الوقت، وبحمد الله تحصّل عليها، بعد اغتياله أمام منزله من مجموعة عملاء يخدمون الاحتلال الإسرائيلي.

وحمّل أبو مازن فقهاء الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن عملية الاغتيال، وردّات الفعل المتوقّعة عليها، مؤكداً أن دماء ابنه وقود لاستمرار المقاومة.

ومساء الجمعة، اغتالت مجموعة من المسلّحين الشهيد فقهاء أمام منزله في تل الهوى، غرب مدينة غزة، وعملية الاغتيال الأخيرة تضاف إلى سجل الاحتلال الإجرامي بحق الأسرى المحرَّرين.

وتؤكّد أحلام التميمي، الأسيرة الفلسطينية المحرَّرة، والموجودة في الأراضي الأردنية، أن جميع الأسرى المحرَّرين ضمن صفقات التبادل التي تتم مع المقاومة الفلسطينية يبقون أهدافاً أمنيّة خطيرة لدى قوات الاحتلال.

وتضيف التميمي لمراسل “الخليج أونلاين: “ما تقوم به قوات الاحتلال من اعتقال الأسرى المحرَّرين، واغتيالهم وملاحقتهم قضائياً، يؤكّد نهج الاحتلال الإجرامي في التعامل مع الفلسطينيين، وعدم احترامه لشروط صفقات التبادل التي تنصّ على الحفاظ على حياة كل محرَّر، وترفض اعتقاله مجدداً لنفس التهم السابقة”.

وتشير إلى أن “العشرات من الأسرى المحرَّرين تلقّوا تهديدات من قبل الاحتلال؛ إما بالملاحقة الأمنية، أو الاغتيال، وهذا تطوّر خطير في سلوك الاحتلال بالتعامل مع المحرَّرين، ويبيح لهم استهداف أي فلسطيني بأي مكان، وهذه حرب مفتوحة”.

جدير بالذكر أن الشهيد فقهاء أسير محرَّر، أمضى 10 أعوام في سجون الاحتلال بعد اعتقاله عام 2002، واتهامه بالتخطيط لتنفيذ عمليات استشهادية أسفرت عن مقتل العشرات، وحكم عليه بالسجن المؤبد 9 مرات، بالإضافة إلى 50 عاماً، قبل أن يتحرَّر في صفقة وفاء الأحرار عام 2011، ويبعد إلى قطاع غزة.

- غضب فلسطيني وتهديد بالرد

عملية اغتيال الشهيد فقهاء، خلقت ردات فعل غاضبة من كافة الفصائل، لكن الأبرز فيها كان البيان العسكري الذي أصدرته كتائب القسام، الجناح المسلَّح لحركة حماس؛ حين هدد فيه صراحة الاحتلال بدفع الثمن.

وأكّدت الكتائب أن جريمة اغتيال الأسير المحرَّر مازن فقهاء من تدبير وتنفيذ الاحتلال الإسرائيلي، وأن “العدو هو من يتحمّل تبعات ومسؤولية الجريمة”.

وأضافت: “نقول باختصار.. إن هذه المعادلة التي يريد أن يثبّتها العدو على أبطال المقاومة في غزة (الاغتيال الهادئ) سنكسرها، وسنجعل العدو يندم على اليوم الذي فكّر فيه بالبدء بهذه المعادلة”، مضيفةً: “عهداً نقسمه أمام الله، ثم أمام أمّتنا وشعبنا، بأن العدو سيدفع ثمن هذه الجريمة بما يكافئ حجم اغتيال شهيدنا القائد أبي محمد، وإن من يلعب بالنار سيحرق بها”.

كما حمّلت قيادات كبيرة في حركة حماس الاحتلال المسؤولية الكاملة عن عملية الاغتيال، وقال خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحركة حماس: إن “جريمة اغتيال الأسير المحرَّر مازن فقهاء مكتملة الأركان، والاحتلال هو المستفيد الوحيد منها”.

وأكّد الحية خلال زيارته لمجمع الشفاء الطبي الذي يرقد الشهيد فقهاء في ثلاجته، برفقة إسماعيل هنية، نائب رئيس حركة حماس، إن الشهيد فقهاء ليس له خصومة مع أحد، والأجهزة الأمنية فتحت تحقيقاً عاجلاً، والمستفيد الوحيد من عملية الاغتيال هو الاحتلال.

في غضون ذلك، أكد القيادي في حماس، عزت الرشق، أن اغتيال الأسير المحرَّر فقهاء عملية جبانة ينفّذها عملاء الاحتلال بمسدّس كاتم صوت قرب منزله في غزة، مشدداً على أن دماءه الطاهرة لن تذهب هدراً، وأن الاحتلال سيدفع ثمن جرائمه.

الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف، عقّب على عملية الاغتيال بالقول إن “المعركة فتحت أبوابها على مصرعيها”.

ويضيف الصواف: “مازن فقهاء يُغتال على أيدي الموساد الصهيوني، عملية لا تختلف عن عملية اغتيال محمد الزواري بالطريقة والأسلوب، وهذا يحتاج إلى إعمال العقل والمنطق، واستخدام نفس الأسلوب والطريقة لتصفية الحسابات مع الموساد، وأعتقد أن القسام لديه ما سيقوله؛ لأن المعركة على ما يبدو فتحت أبوابها على مصراعيها، ولكن ستكون بطريقة مختلفة عما كان في السابق، التحدي كبير وعلينا أن نردّه بعمل كبير”.

وهذا أول اغتيال لقيادي في حماس منذ انتخاب الحركة في فبراير، القيادي يحيى السنوار، أحد مؤسّسي جناحها العسكري، رئيساً لمكتبها السياسي في قطاع غزة خلفاً لإسماعيل هنية.

ويتناسب أسلوب الاغتيال والحرفية العالية مع أساليب عمل الموساد الإسرائيلية؛ حيث يتم القضاء على الضحية والتأكد من موته قبل مغادرة ساحة الجريمة، وهو ما حصل بعمليات تصفيات كثيرة جرت على مدار السنوات الماضية، ومن بينها اغتيال القيادي محمود المبحوح، بفندق بدبي يناير 2010.

- من هو الشهيد مازن فقهاء؟

ولد الشهيد مازن محمد سليمان فقهاء في بلدة طوباس، الواقعة بين مدينتي نابلس وجنين في منطقة الشمال.

تلقّى تعليمه الأساسي في طوباس، وارتاد المسجد وكان عمره 8 سنوات، وبدأ بحفظ القرآن الكريم منذ صغره، وأكمل تعليمه الثانوي في طوباس، ثم التحق بجامعة النجاح الوطنية في نابلس.

رافق الشهيد البطل قيس عدوان في الجامعة، وأيمن حلاوة، وعز الدين المصري، وكثيراً من الشهداء والعديد من الأسرى، ودخل الجناح العسكري للحركة وهو في السنة الثالثة من تحصيله الدراسي، وأكمل الدراسة وتخرّج وهو مطارد من قبل الجيش الإسرائيلي.

- المطاردة والاعتقال

تم اعتقاله لأكثر من شهر في 2001، ثم اعتقل أسبوعاً آخر في نفس العام، وبعد ذلك صدر اسمه في صحيفة يديعوت أحرونوت، في شهر أبريل 2002، وأصبح مطلوباً.

في 14 يونيو 2002، اقتحم جيش الاحتلال منزله للبحث عنه، وبقيت قوات الاحتلال تداهم منزله بين الحين والآخر، ومنذ ذلك الوقت لم يعد مازن إلى منزله، ولم يدخله إلى يومنا الحاضر.

تم اعتقال مازن في صباح يوم الاثنين 5 غشت 2002، بعد حصار دام 6 ساعات، وتمّ هدم منزله بعد ذلك بثلاثة أيام.

وجّهت إليه قوات الاحتلال العديد من التهم؛ أهمها مشاركته في الإعداد لعملية القدس، والتي كان منفّذها عز الدين المصري من بلدة عقابا، وكان زميله في الجامعة والحركة أيضاً، والإعداد لعملية صفد، التي قتل فيها العديد من الجنود الإسرائيليين، كان جلّهم من الخبراء في مفاعل ديمونا، وكانت هذه العملية رداً على استشهاد الشيخ صلاح شحادة، وحكم عليه بتسع مؤبدات و50 عاماً إضافية.