الأحد 2 محرم 1439 الموافق 24 سبتمبر 2017

BANNIERE MEDIATISATION__f1

” أربكان ” … في ذكري رحيله ” تركيا ” تستعد لعهد جديد

14.03.2017 10h27 - أخر تحديث 14.03.2017 10h27

نجم الدين أربكان

نجم الدين أربكان

بعد أيام تشهد تركيا الاستفتاء علي  دستور جديد ، سيكون إقراره خاتمة لسنوات طويلة من الكفاح علي طريق الحرية والانعتاق من سطوة العسكر .

وقبل أيام مرت ست سنوات علي رحيل البروفيسور «نجم الدين أربكان» (29/10/1926م – 27/2/2011م)، صانع الصحوة الإسلامية في تركيا الحديثة، وصاحب أطول وأشرس ملحمة جهادية عبر القانون والدستورعلي امتداد اثنين وأربعين عاما ( 1969 – 2011م ) ؛ علي طريق إعادة تركيا إلى أحضان الإسلام.

وحتي يقول الشعب كلمته في الدستورالجديد ، نتوقف أمام ذكري رحيل أربكان ، ومسيرة كفاحه الحافلة بالنضال والتضحيات .

فرغم نبوغه في تخصصه العلمي الذي وضعه علي سلم المجد ، إلا أنه فضل خوض غمار السياسة وتحمل مخاطرها  ، فهو خريج كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة إسطنبول عام 1948م، وكان الأول على دفعته، ونال شهادة الدكتوراه في هندسة المحركات عام 1953م من ألمانيا، وهناك حقق ابتكارات جديدة – مازالت تحمل اسمه – لتطوير صناعة محركات الدبابات، التي تعمل بكل أنواع الوقود.

وبعد عودته إلى تركيا في نهاية عام 1955م، نجح في صناعة أول «محرك» .. لكنه ترك ذلك المجد  ، واتجه إلي صناعة أمة جديدة على هدي الإسلام العظيم، فقد أيقن أن بناء الأمم أهم لديه من بناء المصانع والمحركات .

ولم تكن مهمة الرجل سهلة ، بل كانت أشبه بعملية استشهادية داخل أتون السياسة الذي كان غليانه علي أشده ، فقد حاول عظماء سابقين أن يخوضوا عملية إعادة بعث الأمة التركية علي هدي من قيم الإسلام ، ولكن العلمانية الشرسة كانت لهم بالمرصاد ، وحصدتهم مقاصلها مثلما جري مع الزعيم عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا ( 1950 م – 1960م ) – يرحمه الله – الذي تم تعليقه علي المشنقة هو واثنين من رفاقه في 17 / 9 / 1961م .

فمنذ إسقاط دولة الخلافة عام 1924م علي يد مصطفي كمال وتأسيس نظام علماني لا يطيق الإسلام ، لا إسما ولا رسما ، ظلت المؤسسة العسكرية هي الحاكم القوي في تركيا حتي أنهي الرئيس رجب الطيب أردوغان سطوتها بإفشال انقلاب 15 يوليو 2016م 

في تلك الأجواء المرعبة ، وبينما كانت تركيا تعيش أصعب فترات تاريخها ، من انقلاب عسكري إلي انقلاب أشد بشاعة ، ومن طبقة علمانية إلي طبقة أشنع  ، دخل أربكان إلي  حلبة السياسة عام 1969م، وكان واضحا في توجهه الإسلامي ، وقاد  الحركة الإسلامية لتشق طريقها وسط أنواء العلمانية وتحت أسنة رماح العسكر.. ولاقى في سبيل ذلك العنت والظلم، فقد حل له النظام العلماني – على مدى أربعين عاماً – أربعة أحزاب؛ هي: «الخلاص الوطني»، و«السلامة»، و«الرفاه»، و«الفضيلة».. لكنه لم يتوقف ولم يستكن.

ومنذ اليوم الأول لدخوله حلبة السياسة أعلن «أربكان» عن هويته بشجاعة قائلاً: «إنّ أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، وقد حاول الماسونيون والشيوعيون أن يُخرِّبوا هذه الأمة ويفسدوها،  ونجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان فليس أمامنا إلا العمل معاً يداً واحدة، وقلباً واحداً؛ حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقاً…».

 وقد أشعلت تلك الكلمات ثورة المؤسسة العلمانية المتطرفة؛ فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قراراً بحل حزبه الأول (الخلاص الوطني)، ومصادرة أمواله وممتلكاته، بعد أن جرَّمته بتهمة انتهاك الدستور، والعمل على إلغاء العلمانية، والعمل ضد مبادئ «أتاتورك ” ،والدعوة لإقامة حكومة إسلامية في تركيا.

واقتيد «أربكان» وزملاؤه إلى السجن بتُهمٍ متعددة، من بينها العمل على استبدال قوانين الدولة العلمانية بمبادئ تقوم على أساس الإسلام، وهو ما كان كافياً لأن يحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات، وإخراجه من الحلبة السياسية.

 وهكذا ظل يواجه انقلاباً بعد انقلاب، وأحكاماً متتالية بالسجن ومصادرة للأموال والممتلكات! من قِبَل الطبقة العلمانية ، تلك الطبقة التي أصرت حتى وهي في النزع الأخير من عافيتها على الانتقام من هذا العملاق، مستخدمة كل ما في أيديها من أدوات قانونية، ولم تتوان عن استخراج كل ما في جعبتها من حِيَل سياسية للانتقام من «العدو الإسلامي اللدود»، فأصدرت المحكمة العليا (قضاتها علمانيون) حكمها بإدانة «أربكان» بالغرامة ب12.5 مليون ليرة تركية (9 ملايين دولارحينها) ،و ذلك بعد حل الحزب عام 1998م، وإجبار «أربكان» على الاستقالة من رئاسة الحكومة بالقوة العسكرية، وبناء على ذلك الحكم؛ تم الحجر على كل ممتلكات «نجم الدين أربكان» بما فيها بيته الذي كان يعيش فيه.. وأصبح مخيّراً بين الدفع أو بيع كل الممتلكات في مزاد علني.

كان الدافع الحقيقي وراء هذه الحملة  هو تحقيق حزبه «الرفاه» مفاجأة بفوزه في عدة مدن بانتخابات البلدية  عام 1994م ، وفي عام 1995م حدثت مفاجأة أكبر بفوزه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية (158 مقعداً من أصل 550)؛ ليصعد «نجم الدين أربكان» إلى رئاسة الحكومة عام  1996م، ويصبح أول رئيس وزراء «إسلامي» في تركيا منذ سقوط الخلافة عام 1924م.

لم ييأس الزعيم المناضل «أربكان»؛ فأسس حزباً جديدا  «الفضيلة» عام 2000م، وتولى «رجائي قوطان» رئاسته بسبب وقف «أربكان» عن مزاولة العمل السياسي.

وفي عام 2003م زال الحظر عن «أربكان»؛ فأسس حزباً جديداً هو حزب «السعادة».. وواصل الرجل رسالته حتى آخر نفَس في حياته يوم الأحد 27 فبراير 2011م يوم رحيله .

وقد تشرفت بلقاء  البروفيسور نجم الدين أربكان أربع مرات : الأولي في مدينة طرابلس الليبية عام 1990م حيث كان يشارك في وفد من قادة الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي رتب برنامجه المفكر الليبي محمد الشريف ، للتحرك لدي صدام حسين وحثه علي إنهاء احتلاله لدولة  الكويت ، وكنت  في تلك الجولة مصاحبا للمهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل والأستاذ عادل حسين رئيس تحريرجريدة الشعب (رحمهما الله ) بصفتي صحفيا بالجريدة  ، والمرة الثانية كانت في منزل المهندس إبراهيم شكري بالقاهرة ، ثم في منزل الشيخ الجليل عبد الله المطوع رئيس مجلس إدارة جمعية الإصلاح ومجلة المجتمع يرحمه الله التي انضممت للعمل فيها ، ثم التقيته للمرة الأخيرة عام 2010م ، في آخر احتفال بفتح القسطنينية باسطنبول . والشاهد أنني خرجت من تلك اللقاءات بيقين أن الرجل  يعرف رسالته جيدا ، و يتحرك بمشروع متكامل ، يحذر من الصهيونية والماسونية ويدعو إلي الأمة الواحدة ويصر علي أن التحرر من الهيمنة الاستعمارية ، كطريق وحيد نحو تحرر وانطلاق االأمة ، ويؤكد علي الإسلام قادر علي حمل الأمة لتحقيق كل ذلك ، مرددا مقولته المشهورة : ” المسلمون الذين لا يهتمون بالسياسة ، يحكمهم سياسيون لا يهتمون بالإسلام “.

و ظل أربكان يدعو لمشروعه الإسلامي  المتكامل بكل جسارة ودون توقف أو تردد حتي وفاته يرحمه الله ، وبعد أن وضع تركيا على طريق العودة للإسلام من جديد بقيادة تلامذته «رجب طيب أردوغان»، و«عبدالله جول”.. وفق اجتهاداتهم الخاصة التي كانت موفقة بفضل الله .

إن طريق الحرية والتحرروالانطلاق نحو المستقبل علي هدي مشروع  إسلامي حضاري  كبير يقف العالم أمامه اليوم باحترام ، ويستفز كل قوي الاستعمار … هذا الطريق الذي بدأ يوم علق عدنان مندريس علي المشنقة ، ودفنت فيه علي امتداد ستة وخمسين عاما جماجم الآلاف ، وروته شلالات من دماء الأبرياء وسكبت عليه أنهارمن الدموع والعرق حتي انتهي ذلك يوم فشل الانقلاب الأخير في 15 يوليو 2016م لتبدأ تركيا عهدا جديدا ومشرقا –  بإذن الله – يوم الاستفتاء علي الدستور الجديد في 13 مارس الجاري .

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
أضف تعليقا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار في نفس القسم
عبد الإله ابن كيران

لفهم ظاهرة بنكيران

 من السوء التقدير أن يعتقد المتتبع للشأن السياسي […]

unnamed (3)

وقالي الصنهاجي: شي حاجة في باب بوحاجة؟؟

استقبلنا الأخ مصطفى الصنهاجي رحمه الله على سلاليم […]

Capture58-700x415

مناورات مع بنكيران ومشاورات مع العثماني

كانت كل التوقعات تسير في اتجاه تشكيل بنكيران […]

راشد الغنوشي

الغنوشي يكتب: لماذا قبلت النهضة شراكة غير متكافئة؟

حيرة كبيرة بلغت حد الصدمة والنكير من سلوك […]

يتيم يكتب: ابن كيران الزعيم.. ولكن ابن كيران المعلم المستبصر!! 

أكد محمد يتيم، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة […]

حسن بويخف

المفكر والحرب على الإرهاب .. غياب أم تغييب؟

الدعوة التي جدد عبد الحق الخيام توجيهها مؤخرا […]

محليات
téléchargement البيضاء

توقيف 5 أشخاص لارتباطهم بشبكة إجرامية بالدار البيضاء

تمكنت فرقة الشرطة القضائية بمنطقة أمن عين السبع […]

إفران إفران

158 مليون درهم لتعزيز الشبكة الطرقية بإفران

خصصت المديرية الاقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بإقليم إفران […]

unnamed أزلال

المصطفى رميد يدشن مركز القاضي المقيم بايت عتاب

دشن المصطفى رميد وزير العدل و الحريات مساء […]

téléchargement خريبكة

انطلاق إيداع طلبات اقتراح مشاريع المبادرة الوطنية بخريبكة

أعلنت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية لعمالة إقليم خريبكة […]

أخر المرئيات
إبق على تواصل دائم معنا
قـالوا

- أبو المعالي الجويني

الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع.. مع تفنن في الآراء وتفرق في الأهواء.. تحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة.. وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبدّدت الجماعات

إيريك هوفر

-

إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية أمام الشعوب المتخلفة، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة

Pannier 1

تصميم وإنجاز: